إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

أخلاق المصريين ........أدب الخلاف (ألا يستقيم أن نكون إخوانا و إن لم نتفق فى مسألة ؟)

(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)
لا شك أن الخلاف فى الآراء و المذاهب سنة من سنن الله فى خلقه ، و لا يشين الأمة أن تطرح شؤونها على الجميع ، لمناقشتها و إثراء الرأى العام، بيد أنا لم نعتد على الحوار الراقى الذى يحترم فيه كل محاور مخالفيه ،مهما كان البون شاسعا فى آراء المتحاورين، و لا شك أن عقودا من التربية الخاطئة على أيدى أنظمة متسلطة لا تمنح مخالفيها مساحة للحوار أصلا، و لا تنصت لآراء مخالفيها ؛قد أسهمت بأوفر نصيب فى عدم ترسيخ ثقافة الحوار ،و تقبل المخالف، و هو ما آل بنا إلى ما نراه من تفرق وتحارب بين طوائف الأمة، و إن شئت فانظر إلى عينات بسيطة مما سطره أبناء الوطن و الدين الواحد على مواقع التواصل عن مخاففيهم، من بذاءة و إسفاف فى مستوى الحوار ،فسب و شتيمة ثم شماتة ،و انتهاءا بالابتهاج بقتل شباب من خيرة أبناء الأمة و مثقفيها ،و حقد لا يصح أبدا أن يصدر من مسلم على مسلم و هذه أمثلة بسيطةلأشخاص معروفين و غير معروفين.
( امبارح فى اشتباكات الإخوان كانوا بيتقتلوا قدام عينى أول مرة أبقى فرحان كدة أيوة كنت بموت من الفرحة أنا بشوف دمهم بيسيل عالأرض لأنهم كلاب) - مع الاعتذار للكتابة بالعامية-

 و كتبت نوال السعداوى :
سيذكر التاريخ للفريق السيسى انه قضى على خرافات
إقامة المشروع الإسلامى فى

 30/6. ولم يتبق له سوى خطوة واحده وهى إبادة المخلوقات المتواجدة فى رابعة والنهضة.
و هذا  مفتي مصر السابق الدكتور علي جمعة، الذي أكد أمام جمع من القيادات العسكرية والأمنية بحضور وزير الدفاع المصري، أن الرسول يؤيد السيسي ورجاله في سعيهم للتخلص من الإخوان بالقوة.

ووجه كلامه قائلاً :"أنتم مؤيدون من الرسول بحسب تواتر الرؤية، اضرب في المليان إياك أن  تضحى بجنودك من أجل هؤلاء الخوارج".

مستدلا لذلك بآيات قرآنية وأحاديث شريفة ،كقوله "طوبى لمن قتلوه أو قتلهم"، مؤكّدا أنّ من قتلهم كان أقرب إلى الله حسبه منهم، داعيا رجال الأمن ومختلف الأطياف المؤيّدة للإنقلاب إلى ما سمّاه "تطهيرا لمصر" ممن وصمهم بـ"الأوباش ذلك أنّنا نصاب بالعار منهم" ، ليس ذلك فحسب، بل لابد أن يتبرّأ منهم - أي أنصار الشرعية - براءة الذئب من دم يعقوب ثم يشتمهم بأنّهم "ناس نتنة وريحتهم وحشة في الظاهر والباطن".
و قالت المذيعة لميس الحديدى عن الذين قتلوا من الأبرياء، ممن خرجوا يوم السادس من أكتوبر: "خسرونا إيه امبارح غير تمن الرصاصة اللى اتصرفت عليهم"!!!!
ووصل الغلو فى أتباع السيسى إلى غايته كقول إحدى الصحفيات(غادة شريف) للسيسى :

يا سيسى.. إنت تغمز بعينك بس!هذا رجل يعشقه المصريون !.. ولو عايز يقفِل الأربع زوجات، إحنا تحت الطلب.. ولو عايزنا ملك اليمين، ما نغلاش عليه والله!

 المغنية بوسي : "لو كان فيه انتخابات للاله اللي هبده كنت هختار السيسي واللي قال ان سيدنا محمد أشرف الخلق كان غلطان لأنه ماشفش الفريق عبد الفتاح السيسي ..!!ورغم ردود الأفعال المستنكرة لتصريحها الأخيرو التى مازالت متواصلة فإنها تجاوزت كل الأعراف حين تلاعبت بالقرآن ،وتجرأت على كتاب الله بشكل مفزع : “إلي جميع مؤيدي الإخوان ربنا نفسه بيقول إن مرسي مش هيرجع الحكم تاني فبلاش تعيشوا في الأحلام ، بسم الله الرحمن الرحيم ” قل إن إجتمعت الإنس والجن علي أن يرجعوا محمد مرسي للحكم لا يستطيعون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا” صدق الله العظيم” ... .إلى آخر هذه الترهات عياذا بالله من الخذلان. و على الجانب الآخر يحزننى كثيراً خطاب التيارالإسلامى بالبدائية و السطحية و الاندفاع ،بل و التكفير أحيانا كإطلاق مسميات " بابا الأزهر" على شيخ الأزهر لموقفه المؤيد للانقلاب ،و كالسب الذى نال على جمعة من طلاب دار العلوم ،و خروجه من غير إكمال مناقشة إحدى الرسائل.

إخوانى " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ "، قد خالفت قريش نبيها و آذته و عذبته، فما كان من شأنه معهم البذاءة، و لا التحقير بل كان - صلى الله عليه و سلم- حريصا أيما حرص على هؤلاء القوم من النار، و الأخذ بأيديهم إلى الخير.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
( لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا ، وَلَا فَحَّاشًا ، وَلَا لَعَّانًا ، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ - أي عند العتاب - : مَا لَهُ ! تَرِبَ جَبِينُهُ ) رواه البخاري
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :
( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) رواه مسلم.
و هؤلاء صحابته الكرام اختلفوا فى مسائل كثيرة، فلم يتفاحشوا و لم يلعن بعضهم بعضا، اختلف سيدنا على و سيدنا معاوية و مع ذلكوصف معاوية عليا رضي الله عنه  بالليث وبالضرغام وبأسد الحروب، وبأنه مقرئ الضيوف وكان يستفتيه؛
  فيرسل إليه في المدينة في فتاوى القوم، وفي المسائل التي تستشكل عليهم.
و قد يختلفون فى الرأى و مع ذلك ينزل أحدهما على رأى  أخيه تواضعا و تأليفا  للقلوب ،و كرها للتفرق،هذا ابن مسعود خالف عثمان فى إتمام الصلاة فى السفر للحج ، و لكنه لم يقصر و أتم صلاته معه قائلا : الخلاف شر.
و اختلف ابن مسعود و عمر فى حوالى مئة مسألة ،و مع ذلك قال عمر عن ابن مسعود: كنيف ملء علما آثرت به أهل القادسية. و قال ابن مسعود عن عمر : كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه و لا يخرجون، فلما أصيب عمر انثلم الحصن.
كان سلفنا الصالح أسوة فى التآخى، يسارع أحدهم إلى الترحاب بأخيه الذى اختلف معه و جادله، دونما تعصب أو ضغينة، فليست الضغائن من سمات المؤمنين؛ ألم يخبر نبينا الكريم عن رجل من أهل الجنة  حين قال: ((يدخل من هذا الباب عليكم رجل من أهل الجنة))قال عبد الله بن عمرو بن العاص: فقلت في نفسي: والله لأختبرن عمل ذلك الإنسان ، فعسى أن أوفّق لعمل مثل عمله، فأنال هذا الفضل العظيم أن النبي أخبرنا أنه من أهل الجنة في أيامٍ ثلاثة، فأتى إليه عبد الله بن عمرو فقال: يا عم، إني لاحيت أبي – أي خاصمت أبي – فأردت أن أبيت ثلاث ليال عندك، آليت على نفسي أن لا أبيت عنده، فإن أذنت لي أن أبيت عندك تلك الليالي فافعل، قال: لا بأس، قال عبد الله: فبت عنده ثلاث ليال، والله ما رأيت كثير صلاةٍ ولا قراءة، ولكنه إذا انقلب على فراشه من جنب إلى جنب ذكر الله، فإذا أذن الصبح قام فصلى، فلما مضت الأيام الثلاثة قلت: يا عم، والله ما بيني وبين أبي من خصومة، ولكن رسول الله ذكرك في أيامٍ ثلاثة أنك من أهل الجنة، فما رأيت مزيد عمل!! قال: هو يا ابن أخي ما رأيت، قال: فلما انصرفت دعاني فقال: غير أني أبيت ليس في قلبي غش على مسلم ولا أحسد أحداً من المسلمين على خير ساقه الله إليه، قال له عبد الله بن عمرو: تلك التي بلغت بك ما بلغت، وتلك التي نعجز عنها[أخرجه عبد الرزاق عن أنس، وعنه الإمام أحمد ، وهذا سند صحيح على شرط الشيخين].
 و هذا الإمام الشافعى اختلف مع الإمام يونس بن عبد الأعلى، و قامت بينهما مناظرة ،و مع ذلك يقول يونس عن الشافعى : ما رأيت أعقل من الشافعى؛ ناظرته يوما فى مسألة ثم افترقنا، و لقيته فأخذ بيدى ثم قال:ياأبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا و إن لم نتفق فى مسألة ؟

ما زرعه الحاقدون و الكارهون من فرقة و استقطاب  بين شركاء هذا البلد العظيم، المهيأ لقيادة الأمة الإسلامية بأسرها، إنما لخوفهم أن تتبوأ مصر مكانتها، فتتأسى بها بقية الأمة، و هذا أمر يعز تحقيقه و هى محصورة من داخلها و خارجها و عن يمينها و شمالها بهذه المكائد و تلك الدسائس و الله المستعان.،
لا يفتأ المرجفون يثيرون فينا دعاوى التمزق و الجاهلية و لعمر الله لم تنهض أمة أو يبدع أبناؤها دون توحيد للكلمة  {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} قال ابن كثير : "وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلاً من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلاً معه، وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعاره، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: ((أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟))، وتلا عليهم هذه الآية؛ فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح - رضي الله عنهم - قد هان الدم المصرى بين أبناء الوطن الواحد يقتل المجند أخاه كما يصطاد العصافير بل ربما سحله وأو مثل بجثته و شاهدنا اليوم
مدرعة تخترق مسيرة رافضة للإنقلاب بسرعة عالية.. و هناك أنباء عن دهس متظاهرين و إلى الله المشتكى.

و السر هو الفتاوى الضالة لعلماء السوء ،و غسيل المخ الذى يجريه لهم قادتهم و كبراؤهم، تساندهم فى ذلك آلة إعلامية إما مأجورة أو أصحاب مصالح 
محبين للفساد و الفاسدين، قد سحروا البسطاء و كأنما أناموهم مغناطيسياً ،  الخطة المدبرة منذ صعود الرئيس المنتخب  - على غير هوى العسكر و أصحاب المصالح- و التى ظلوا يحبكونها ،و ينسجون خيوط مؤامرتهم طيلة عام كامل ،حتى حانت اللحظة الملائمة ،و لا أستغرب أن يقودنا السيناريو إلى ترشح زعيم الانقلاب الذى يحاول أن تكون له  كاريزما شبيهة بعبد الناصر فى زمانه ، فليس عجبا أن يؤيده الناصرى المدعو
مصطفى ﺑﻜﺮﻱقائلا : ﺃﺻﻤﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺷﺢ ﺍﻟﺴﻴﺴﻲ ﻟﻼ‌ﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﺃﺿﺮﺏ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ،



هكذاصار الدم المصرى باردا يباع لأجل الكراسى ،و قد قامت الدنيا و لم تقعد حينما سحل مواطن أيام مرسى و لكنه الهوى و حب الدنيا الذى أذل أعناق الرجال.
 و عين الرضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تبدى المساويا
 و قال آخر:
مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً   فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما  غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا   وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ
أقول لإخوانى و أهلى لكل مواطن حر شريف ،و لكل شرفاء الجيش و الشرطة، اتقوا الله فى أنفسكم و أهليكم ،و اخشوا يوما تشخص فيه الأبصار ،و يتعلق المقتول بالقاتل يطلب القصاص من الملك العادل ،و حينها لن تنفعكم فتاوى المضلين، و لا أموال الفاسدين (( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ ))بخارى و مسلم وغيرهما
 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ صلى الله عليه و سلم : " يَأْتِي الْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ ، تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا ، حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْعَرْشِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، سَلْ هَذَا فِيمَا قَتَلَنِي "
، وعن معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : سمعته يخطب - يقول : (( كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً ))
حديث صحيح - (النسائي في المجتبى )
أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ وَلا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ
إِلى الديّانِ يَومُ الدينِ نَمضي  وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصومُ
سَتَعلَمُ في الحِسابِ إِذا الِتَقَينا    غَداً عِندَ المَليكِ مَنِ الغَشومُ
تَنامُ وَلَم تَنَم عَنكَ المَنايا  تَنبَّه لِلمَنِّيَةِ يا نُؤومُ
لا زلت أحلم بيوم تتوحد فيه أمة القرآن حينما يتربى أبناؤها على آداب القرآن و يتغذون بلبان سنة نبيهم الكريم أسأل الله أن يقر أعيننا بذلك اليوم، إنه خير مسؤول و أكرم مأمول.     

الخميس، 3 أكتوبر 2013

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

الحَمْدُ للهِ لا يُحْصَى لَهُ عَدَدُ***     ولا يُحِيْطُ بِهِ الأَقْلامُ والمُدَدُ
حَمْدَاً لِرَبِّي كَثيراً دَائماً أبَدَاً***   في السِّرِّ والْجَهْرِ في الدَّارَيْنِ مُسْتَرَدُ
مِلْءَ السَّمواتِ وَالأَرْضِيْنَ أَجْمَعِهَا*** وَمِلْءَ مَا شَاءَ بَعْدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى خَيْرِ الأَنَامِ رَسُولِ**** اللهِ أَحْمَدَ مَعْ صَحْبٍ بِهِ سَعِدوا
وأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيْ وَالآلِ قاطِبَةً*****  وَالتَّابعينَ الأُلَى للدِّيْنِ هُمْ عَضُدُ
وَالرُّسْلِ أجْمَعِهِمْ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُم**** من دُوْنِ أَنْ يَعْدِلوا عَمَّا إليهِ هُدُوا
أَزْكَى صَلاةٍ مَعَ التّسْليْمِ دَائِمَةً***    مَا إِنْ لَهَا أَبَدَاً حَدٌّ وَلاَ أَمَدُ

وَبَعْدُ 


جاء في إنباء الرواة في ترجمة أبي نصر القرطبي قال:
كنا نختلف إلى أبي علي القالي رحمه الله وقت إملائه النوادر في جامع الزهراء بـ قرطبة ونحن في فصل الربيع، قال: فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة،فما وصلت إلى مجلس أبي علي إلا وقد ابتلت ثيابي كلها،وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة ،
فلما رآني مبتلاً بالماء  أمرني بالدنو منه،
وقال لي:
مهلاً يا أبا نصر ! لا تأسف، ولا تأس، ولا تحزن على ما عرض لك؛
فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة، بثياب تبدِّلها بغير ثيابك،
لكن اسمع
-يريد أن يعزيه وأن يسليه على ما أصابه-
قد عرض لي -يقول أبو علي عن نفسه- ما أبقى في جسمي ندوباً وجروحاً تدخل معي القبر، لقد كنت أختلف في الطلب؛ يعني في طلب العلم إلى ابن مجاهد رحمة الله عليه فذهبت إليه آخر الليل قبل طلوع الفجر؛ لأقترب منه لأستفيد، فلما انتهيت إلى الطريق الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقاً، قال :

 وعسر عليَّ فتحه،
فقلت:
سبحان الله!
أبكِّر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه، والله لا يكون ذلك، فنظرت إلى سَرَبٍ بجانب الدار ضيق فاقتحمته، فلما توسطته ضاق بي ذلك السرب وذلك النفق، فلم أقدر على الخروج منه، ولم أستطع النهوض،
قال:
فاقتحمته بشدة حتى خرجت بعد أن تخرقت ثيابي، وأثَّر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومنَّ الله علي بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على حالتي هذه، فأين أنت مما عرض لي؟
ثم أنشد يقول:

دببتُ للمجدِ والسَّاعينَ قدْ بَلَغُوا    جُهدَ النُّفوسِ وألقَوا دُونَهُ الأزرَا
وكابدوا المجدَ حتَّى ملَّ أكثرُهُم    وعانَقَ المجدَ مَنْ أوْفَى ومَنْ صبرَا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله    لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

قال أبو نصر :
فسلاني ما حكاه،
وهان عندي ما عرض لي من بلل للثياب بجانب ما أصابه،
فلازمته حتى مات، فرحمة الله على الجميع.
هم أسلافنا، وندعي الصلة بهم، فهل مجالسنا مجالسهم، وهممنا هممهم؟

لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجالسُ أوجُهاً غيرَ الذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِهَا
ورأيتُها محفوفةً بِسِوَى الأُلَى كَانُوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفَنَائِها
أنشدتُ بيتاً ثائراً متقدماً والعينُ قدْ شرَقَت بجَارِي مائِها
أما الخيامُ فإنَّها كخيامهِم وأَرَى نِساءَ الحَيِّ غيرَ نِسَائِها
يا حسرةً من لي بصفقةِ رابح فِي مَتْجَرٍ والعِلْمُ رأسُ المالِ
يا ويح أهل العلمِ كيفَ تأخَّرُوا والسَّبْقُ كُلُّ السَّبْقِ للجُهَّالِ
فإِلَى إلهِي المُشْتَكَى وبفضلِهِ دونَ الأنامِ منوطة آمَالِي

لله هذه المواقف ما أبلغها!
وما أعلى على هام الثُّريَّا مواضعها! وهكذا فليكن الطلب وإلا فلا.

 إن هذه الصفحة - أعني الماضية-
لتذكِّر بموقف آخر لـ ابن برهان ؛ كما جاء في طبقات الشافعية يوم تزاحم الطلاب على بابه حتى صار جميع نهاره، وقطعة من ليله مستوعباً في التدريس، يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة، ويتأخر أحياناً بعدها إذا دعت الحاجة لذلك.

ذكر أن مجموعة من طلبة العلم سألوه أن يدرس لهم كتاباً فقال:
لا أجد لكم وقتاً، فذكروا أوقاتاً معينة فلم يجد إلا في نصف الليل فوافقوا.

 وانظر يا أخي كيف نظم أوقاته للعبادة والطاعة والمنام والمطالعة والحفظ والتدريس والقراءة وهذا شيء مهم جداً يتمكن به العالم وطالب العلم من بلوغ مرغوباته العلمية جميعاً، فلا يطغى مرغوب على مرغوب.
 ثم انظر أخي طالب العلم -رعاك الله- إلى هذا الصبر العجيب من هذا الشيخ الجليل على بث العلم ونشره، والاحتساب في أدائه ونقله، ثم انظر أخرى إلى هذا الشوق والحرص المحرق من أولئك الطلبة المحترقين بالعلم الذين لم يجدوا وقتاً ليقرءوا عليه إلا نصف الليل، فأتوا مسرورين وظنوا أنهم محظوظون مكرمون.
ثم انظر لذلك الذي نسي بدنه واقتحم السرب وخرج اللحم عن العظم ليحظى بالقرب من العالم ليستفيد فلله در أولئك المشائخ! ولله در أولئك الآباء والطلبة الأبناء! ما أشد حب أولئك للطلب! وما أصبر أولئك على إشاعة العلم وإيصاله للمتعلمين! أداءً للأمانة ووفاءً بالعهد، وإنا لله من طلبة هذا العصر الذين يستعجلون دق الجرس ليخرجوا من الدرس المؤقت بخمس وأربعين دقيقة، في ألين الأوقات راحة، وأفضلها نشاطاً، وأجمعها ذهناً، من قاعات مبردة صيفاً مدفأة شتاءً، يخرجون يزحم بعضهم بعضاً كأنما يفرون من حريق، أو ينطلقون من سجن ظالم عنيد واهً لهم .


إذا مَا علا المرء رَامَ العُلى ويقنَعُ بالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
إذَا رأيْتَ شبابَ الحيِّ قَدْ نشئوا     لا ينقلونَ مِدَادَ الحِبْرِ والوَرَقِا
وَلا تَرَاهُم لَدَى الأشْيَاخِ في حِلَق    يَعُونَ مِنْ صَالحِ الأخبارِ مَا اتَّسَقَا
فذَرْهُم عنكَ واعْلَم أنَّهُم هَمَجٌ        قد بَدَّلُوا بِعُلُوِّ الهِمَّةِ الخَرَقَا

 على المرءِ أنْ يَسعَى إلَى الخيرِ جاهداً وليسَ علَيْهِ أن تَتِمَّ المَقاصِدُ،فانْفُضُوا النومَ وهُبُّوا للعُلى  فالعلى وقْفٌ علَى منْ لَمْ يَنَم..
أفيقوا لا مجال لخامل ولا سبْقَ إلا للذي يتَقَحَمُ.
منقول من

صفحات مطوية للشيخ علي القرني