إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 30 أكتوبر، 2011


 نوفمبر, 2010


وبشر الصابرين 2 "الصبر في القرآن"




لقد ورد الحديث عن الصبر في القرآن الكريم علي أوجه شتي , حصرها ابن القيم في ستة عشر نوعا , أتناولها بعون الله وتوفيقه بالشرح والتوضيح .
يقول الإمام :
الأول:-
الأمر به (أي الأمر بالصبر) نحو قوله تعالي ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة )البقرة :153.
المؤمن الصادق مع نفسه ومع الله يتلو القرآن وكأن الله جل وعلا يخاطبه هو بهذه الأوامر والنواهي ,هكذا كان منهج الصحابة رضوان الله عليهم في تلقيهم للأوامر القرآنية ,فلذلك تأثروا بالقرآن , خلافا لما نحن عليه من إقامة حروفه وإتقان تلاوته، وإضاعة حدوده.
المؤمن الصادق يتلو هذا القرآن تلاوة موقن أن الله تعالي لم يأمره بأمر من فريضة أو غيرها  إلا وفيه الخير العميم للإنسان نفسه ,ولم ينهه عن أمر إلا لما فيه من ضرر.
نري هذا المؤمن يستعذب الصبر علي ما فيه من مرارة ومشقة إرضاءا لمن خلقه وسواه ,وأنشأه ورباه ,وأطعمه وسقاه من غير حول منه ولا قوة ؛لأنه سبحانه مستحق لكل محبة و تمجيدٍ وتعظيم.
أحبك لا تسألني لماذا لأنني     أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي

فهو لحبه لمولاه يحب ما أحب مولاه، ويبغض ما أبغضه مولاه .
فيا ساكني أكناف طيبة كلكم      إلي القلب من أجل الحبيب حبيب

يعلم علم اليقين أن الصبر خير محض (خالص) وأنه سبيل كل عزة وتمكين .

قال ميمون بن مهران: ما نال رجل من جسيم الخير (أي الخير العظيم ) نبي ولا غيره إلا بالصبر.
يقول الإمام الشافعي عن صبره في طلب العلم وهو صغير : ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة ،(الفقر)ولقد كنت أطلب ثمن القراطيس فتعسر علي.

الثاني:-
وأما الوجه الثاني الذي به الصبر في القرآن فهو النهي عن ضده (أي النهي عن الجزع واستعجال الفرج) كقوله تعالي (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم) الأحقاف 35

ويقول صلي الله عليه وسلم (إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع ) صحيح: السلسلة الصحيحة -146.
من شيم الصالحين التمسك بالصبر الجميل الذي لا تزعزعه تقلبات الدهر، ولا حوادث الزمان ,وهذا هو الصبر الجميل الذي ذكر في القرآن .
قال الإمام ابن تيمية :الصبر الجميل هو الذي لا شكوي فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذي معه.
إذا كنا علي يقين أن ما قضاه الله كائن فلنقبل هذا القضاء بالصبر الجميل دون ضجر أو شكوى.
 يقول سيدنا علي للأشعث بن قيس:إنك إن صبرت جري عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جري عليك القلم وأنت موزور.
عجباً لنا يمنحنا ربنا النعم والهبات بلا قيد ولا حساب، فإذا سلبنا نعمة واحدة نريد أن نحاسبه علي ما سلبنا بالجزع والسخط وعدم الرضا بقضائه.
يقول الفضيل: لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه.
وصدق في قوله فكأني بهذا العبد الذي يسخط لنزول البلاء يتهم ربه وخلقه بالجور في حكمه ,وحاشاه سبحانه أن يجور.
اعلم أنه لم يمنعك هذه النعمة إلا لحكمة ولا ابتلاك بهذه النعمة إلا لحكمة , فربما كان عطاؤه لك من النعم حرمانا وربما كان حرمانه لك عطاءً يدخر لك أجره و ذخره عنده.

فاطرح الجزع والسخط وتمسك بالصبر وإن كان مرا ًفالعاقبة عند الله  (إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب)
الصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته    لكن عواقبه أحلي من العسل

السبت، 22 أكتوبر، 2011

وبشر الصابرين 1



الحمد لله علي وافر نعمائه, والشكر له علي كرمه ولطفه في امتحانه وابتلائه, والصلاة والسلام علي نبينا الكريم,قدوة الصابرين في الضراء وأسوة الشاكرين في السراء. وبعد،
هذه مجموعة مقالات عن الصبر أكتبها علي أن بضاعتي في العلم مزجاة ،ولكن أمني نفسي أن تكون هذه الكلمات سلوة للمحزونين ،وأنيسا للمبتلين والمكروبين، والله المستعان.

لقد عظم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم قيمة الصبر، وشّرف قدر الصابرين(إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع  أجر المحسنين)
قال الإمام أحمد :إن الله ما عظم شيئاً في كتابه كما عظم الصبر فقد ذكر في أكثر من تسعين موضعا .
من معاني الصبر:
قال الفيروز أبادي: وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه ,فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً, وإن كان في محاربة سمي شجاعة , وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا , وإن كان عن فضول العيش سمي جهداً, وإن كان عن شهوة الفرج سمي عفة, وإن كان عن شهوة الطعام سمي شرف نفس, وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً.
وقال ابن القيم: والاسم الجامع لذلك كله (الصبر)، وهذا يدلك علي ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر.
إن الصبر هو عدة المؤمن أمام نوازل الدهر، وهو الملجأ والمهرب الآمن من حوادث الزمان ,يبدو مراً تجرعه في بدايته, غير أن هذه المرارة سرعان ما يجد الصابر حلاوتها مع الرضي والتسليم بقضاء الله , وهذا هو الإنسان السعيد حقا في دنياه من يصبر في الضراء الصبر الجميل ،ويصبر في السراء أمام فتنة النعيم بل يؤدي شكر هذه النعم كما أمر ربنا عز وجل .
يقول ابن القيم: فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلي أعلي المنازل بشكرهم, فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلي جنات النعيم, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الصبر خير عطاء:
روي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن سعيد ألخدري أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم  ثم سألوه فأعطاهم حني نفد ما عنده  فقال: ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن سيتعفف يعفه الله, ومن يستغن يغنه الله , ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيرً من وأوسع من الصبر).
في هذا الحديث الجامع بشري لأهل الصبر أنهم قد منحوا خير عطية في هذه الدنيا بصبرهم وما ينتظرهم من عظيم الجزاء في الآخرة كما انه فيه بشارة لمن ليس من طبعه الصبر أن يكره نفسه علي الصبر وان يتكلف الصبر قدر المستطاع حتى  يصير  سجية فيه مستعيناً بالله وبحوله وقوته سبحانه.
المؤمن الصادق يصبر أمام الشهوات الزائلة فلا تستعبده :
   ولا يذهبن العمر منك سبهللا    * * ً ولا تغبنن بالنعمتين بل  اجهد 
فمن هجر اللذات نال المنى و من ** أكب على اللذات عض على اليد
 ويجتهد دائماً وأبداً في الدعاء لمن لا ملجأ ولا منجي منه إلا إليه سبحانه أن يفك كربه وأن ينيله ما يرجو ويؤمل.

 أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

الصبر نصف الإيمان:
يقول ابن القيم: ثبت أن الإيمان نصفان ; نصف شكر ونصف صبر، باعتبار أن الإيمان  إما فعل مأمور فهو شكر، أو ترك محظور وذلك هو الصبر, وإما بأن العبد بين أمرين ,إما حصول محاب ومسار(أي أمور محبوبة) فوظيفته الشكر ،وإما حصول مكاره ومضار فوظيفته الصبر فمن قام بالأمرين استكمل الإيمان.

ثم قال عن الصبر: وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوي النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

النفس البشرية يا إخوان كالدابة الحرون ( التي يصعب قيادتها) تريد أن تترك في ملذاتها فتقضي منها أوطارها, كما أنها تكره القيود من أحكام العرف والشرع ,فتبغي ألا يكون لها غل يقيد تصرفاتها

أري النفس تهوي ما تريد       وفي متابعتي لها عطب شديد
تقول وقد ألحت في هواها       مرادي كلمـــــــــا أهوي أريد

وقال آخر:
والنفس كالطفل إن تهمله شب علي      حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وسئل الجنيد بن محمد عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعبس (أي تحمل مرارة العيش دون إظهار الضيق والتضجر )
وقال ذو النون المصري: الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية, وإظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
نعم المؤمن الصابر لا يتحمل فقط مرارة العيش ونكد الدنيا بل يجد اللذة في هذا النصب وتلك المعاناة مادامت في رضا الله عز وجل فهو يعلم علم اليقين أنه سبحانه قادر علي أن يمنحه وأن يعطيه، وأن له سبحانه حكمة في المنع والعطاء، فلابد له من التسليم بقضائه فربما كان الفقر خير له من الغني.

سأل رجل سفيان الثوري : مالي أطلب الشيء من الله تعالي فيمنعني ؟
قال منع الله عطاء لأنه لم يمنعك من بخل ولا افتقار ولا احتياج ،وإنما يمنعك رحمة بك.
نزل القرآن وهو أعظم كتاب للتربية علي قلوب هؤلاء الصحابة الكرام، مبشرا للصابرين ومادحا لأهل الصبر، فتلقت تلك القلوب الغضة تلك الأوامر بالاستجابة الفورية لأنهم كانوا يتلقون هذه الآيات وكأن الله عز وجل يخاطب كلا منهم بها لشخصه فسرعان ما يستجيبون للأوامر الربانية , فلم يكن القرآن في نظرهم مجرد مصاحف ذات طباعة فاخرة محفوظة علي الأرفف،  لا دراية للمسلم بمضمونها ومحتواها كما هو حال المسلمين اليوم مع القرآن , بل كان ديدنهم هو انتظار الأوامر لتطبيقها ,
يقول صلي الله عليه وسلم ( ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله تعالي " إنا لله وإنا ليه راجعون" اللهم اؤجرني في مصيبتي و أعقبني خيرا ًمنها إلا فعل الله به ذلك ) رواه مسلم
هذه الخنساء الشاعرة التي أدركت الجاهلية والإسلام لو قارنا جزعها علي أخيها حين قتل في الجاهلية حتى كادت تقتل نفسها حزنا عليه مع صبرها في الإسلام لكان ذلك عجبا.
لقد كان مما قالت في أخيها (صخر):
يذكرني طلوع الشمس صخراً    وأذكره بكل غروب شمسٍ
ولولا كثرة البـــــــاكين حولي    علي إخوانهم لقتلت نفسي
 ولما أسلمت شهدت القادسية بين المسلمين والفرس ومعها أبناؤها الأربعة 
فاستشهدوا  في ذلك اليوم واحداً بعد واحد,فلما بلغها نعيهم في يوم واحد لم تلطم خداً 
ولم تشق جيباً بل قالت:الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني 
بهم في مستقر رحمته.
رزقنا الله وإياكم ثبات الصابرين ويقين الموقنين وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

السبت، 1 أكتوبر، 2011

ظلال الهجير (5)

قصة إخلاص:

روى أن مسلمة بن عبد الملك القائد الأموى  كان يحاصر حصنا  استعصى عليه ،  فتقدم رجل ملثم (مخفيا وجهه) و أحدث فى الحصن نقبا  استطاع    المحاصرون       من   المسلمين أن يستولواعليه
بسبب هذا النقب ،ففرح مسلمة ونادى  :أين صاحب النقب؟ فلم يأته أحد ،فنادى مرة أخرى
:إنى أمرت حاجبى بإدخاله على  ساعة يأتى فعزمت عليه إلا جاء ، فجاء رجل إلى الحاجب و قال :استأذن لى على الأمير ، فقال له الحاجب أأنت صاحب النقب ؟ قال: أنا أدلكم عليه . فدخل على الأمير فلما مثل بين يديه قال له : أيها الأمير إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثا : ألا تبعثوا باسمه فى صحيفة إلى الخليفة ، و ألا تأمروا له بشىء ، و ألا تسألوه من هو؟ قال مسلمة : فله ذلك . فقال الرجل فى استحياء : أنا صاحب النقب ثم ولى مسرعا، فاندس وسط الجنود ، فكان مسلمة لا يصلى صلاة بعدها إلا دعا فيها : اللهم  اجعلنى مع صاحب النقب يوم القيامة.
******************************************************حياء أعرابى:


روى أن أعرابيا وقف على سيدنا على بن أبى طالب فقال: إن لى إليك حاجة رفعتها إلى
الله  قبل أن أرفعها إليك ،فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى و عذرتك . فقال على : خط حاجتك فى الأرض  فإنى أرى الضر عليك (أى الحياء) . فكتب الأعرابى على الأرض ( إنى فقير) . فقال على : يا قنبر ادفع إليه حلتى الفلانية فلما أخذها مثل بين يديه فقال:
كسوتنى  حلة تبلى  محاسنها **** فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن الثناء ليحيى  ذكر  صاحبه*** كالغيث يحيى نداه  السهل  و الجبلا
لا تزهد الدهر فى عرف بدأت به ***    فكل عبد سيجزى بالذى فعلا
فقال على : يا قنبر أعطه خمسين دينارا ، أما الحلة فلمسألتك ، وأما الدنانير فلأدبك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : (أنزلوا الناس منازلهم)
******************************************************
ليس بين الشهيد و بين الجنة سوى أن يموت:
سمع الصحابى عمير بن الحمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قوموا إلى جنة عرضها السماوات و الأرض ) فقال عمير : جنة عرضها السماوات والأرض؟ و كانت بيده تمرات يأكلها فألقاها و قال : لئن حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة ، واستل سيفه ونزل إلى ساحة الوغى يقول :
ركضا إلى الله بغير زاد   ****       إلا التقى و عمل المعاد
و الصبر فى الله على الجهاد  ***   وكل زاد عرضة للنفاد
                  غير  التقى  والبر  والرشاد
ثم قاتل رضى الله عنه حتى قتل .
******************************************************
( من أمثال العرب ):
جزاه جزاء سنمار :
يضرب مثلا للمحسن يكافأ بالإساءة إليه ، و سنمار هذا رجل من الروم ، وكان قد بنى للملك (النعمان )قصرا عظيما بالكوفة فلما فرغ من بنائه ألقاه الملك من أعلى القصر حتى لايبنى قصرا آخر مثله لأحد فسقط ميتا.
******************************************************
جلس النعمان بن المنذر-ملك العراق-تحت شجرة متنزها يشرب الخمر فأراد عدى بن زيد أن يعظه -وكان رجلا  حكيما فقال له : أيها الملك أتدرى ماذا تقول هذه الشجرة ؟ 
قال: ماذا تقول ؟ قال عدى : تقول :
رب ركب قد أناخوا حولنا*** يمزجون الخمر بالماء الزلال 
ثم صاروا لعب الدهر بهم ***    و كذا الدهر حالا بعد حال 
فتنغص النعمان و ترك الخمر و بقى متكدرا حتى مات.