إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 23 ديسمبر، 2011

أخلاق المصريين إلى أين (1)

 رأينا من جميل أخلاق المصريين أثناء ثورتنا المباركة و بعدها ما بلغ فى نظر العالم شأوا بالغا فى تفانيهم و إخلاصهم لبلدهم و  لمبادىء ثورتهم. رأينا البذل و الإيثار ، و التضحية ومكارم الأخلاق التى  ليست جديدة على هذا الشعب الطيب، ثم لم تلبث تلكم الصورة الجميلة أن لطختها أيدى الأشقياء الذين لايريدون الخير لهذا البلد العظيم ،و الذى كانت ثورته و لاتزال محط أنظار العالم واهتمامه؛ فلمصر أهمية لا تخفى، فهى قائدة الأمة العربية و الاسلامية ، انظر ما قال عنها العلامة / جمال حمدان
هى فى الصحراء و ليست  منها ، إنها واحة ضد صحراوية بل ليست بواحة         و إنما شبه واحة هى.
فرعونية هى بالجد ، ولكنها عربية بالأب .. وهى بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى، و لكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم . و هى بموقعها على خط التقسيم التاريخى بين الشرق و الغرب تقع فى الأول و لكنها تواجه الثانى و تكاد تراه عبر المتوسط كما تمد يدا نحو الشمال و أخرى نحو الجنوب ، و هى توشك بعد هذا كله أن تكون مركزا مشتركا لثلاث دوائر مختلفة بحيث صارت مجمعا لعوالم شتى ، فهى قلب العالم العربى وواسطة العالم الإسلامى و حجر الزاوية فى العالم الإفريقى.
فأين ذهبت أخلاقنا المعهودة فلم نعد نرى ونسمع سوى البذىء من القول و لم يكن نبينا فاحشا ولا بذيئا فهو القائل (ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش و لابذىء)
وعن  الْبَرَاءُ  أنه قال:{ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا } .رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.و سأحاول بعون الله و توفيقه أن ألقى الضوء على بعض تلك السلوكيات و الأخلاقيات التى تدهورت ،لعل الله تعالى أن يرزقنا جميعاالإخلاص فى القول و العمل .
داء حب الظهور
نعم صار حب الظهور داءا مستوطنا بينا ، وليس المهم من يرفع الراية ، و لكن الأهم أن ترفع الراية ،ليس من الضرورى أن يقول فلان الحق بل المهم أن يقال الحق ليس مهما أن يقال على كتف فلان نهضت مصر، بل الأهم أن نبهر العالم بتبوأ مصر مكانتها السامية كعهدنا بها رائدة الحضارات، و ولادة العبقريات فى شتى المجالات  .متى كانت الأمم تبنى و تنهض بالكلام المزخرف و الحديث المنمق؟! بل على أكتاف المخلصين تشيد الحضارات ، طلب عمرو بن العاص المدد من عمر بن الخطاب فى فتح مصر فكتب إليه عمر : أما بعد فإنى أمددتتك بأربعة الآلاف رجل على كل ألف رجل منهم مقام الألف : الزبير بن العوام و المقداد بن عمرو و عبادة بن الصامت و مسلمة بن خالد.
للأسف هذا هو الزمان الذى ينطق فيه الرويبضة (التافه) و يتفلسف فيه من شاء أن يتعالم أو ينظر للأمة و يحدد لها مسارها ،الذى يجب من وجهة نظره أن تسير على دربه، و تتبع طريقته،و بعضهم  يصح أن يقال عنه (أبو شبر)قالوا قديما : العلم ثلاثة أشبار : من دخل فى الشبر الأول تكبر ومن دخل فى الشبر الثانى تواضع، ومن دخل فى الشبر الثالث علم أنه ما يعلم( أى أيقن بمدى ما كان فيه من ضحالة العلم) فإياك أن تكون أبا شبر.و قال الشافعى:
كلما أدبنى الدهر ***      أرانى ضعف عقلى 
و إذا ما ازددت علما ***  زادنى علما بجهلى
فما ذاق صاحبنا مرارة الكد فى طلب العلم وما  جلس صاحبنا عشرين أو ثلاثين عاما منكبا على كتب العلم أو السياسة حتى يصير من فلاسفة الأمة ، هذا الأديب توفيق الحكيم سأله أحد الناشئين : كيف أكون مثلك؟ فقال:إذاظللت تقرأثلاثين عاما فى كل يوم سبع ساعات أو ثمانى ساعات ، وهذا شهيد القرن الماضى سيد قطب لم يبدأ الكتابة إلا فى الأربعين رغم كونه أديبا نابها منذ صباه لأنه كان يراها سن النضج و تلافى أخطاء مرحلة الشباب،و هذا الإمام مالك يقول:ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك.
الكل يريد أن يظهر هو و أن يمجد هو أو حزبه هو دون الآخرين ،و إنما يكون الاختلاف محمودا إذا كان اختلاف تنوع ، يسعى فيه الكل لخدمة الوطن و الهوية الإسلامية دون انتظار للثناء أو التمجيدفهذا ينافى الإخلاص و يدخل فى باب الرياء و حب الشهرة فهم كما قال القائل:
لا يدفعون لأجل الخير خردلة  **   إلا إذا قيل قبل الدفع قد دفعوا
و إنما يجوز للمرء إظهار العمل الصالح  فى حالة كونه لايستطيع إخفاءه ، أو يكون إظهاره لذلك العمل من باب حض الآخرين و تشجيعهم ليصنعوا مثل صنيعه. قال بعض التابعين : صحبت أقواما فما رأيت  أحدهم يظهر عملا هو قادر على إخفائه. ، وقيل لبعض الصالحين : أى الأعمال أشق على النفس؟ قال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب.

وقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمًا لِقَوْمِهِ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ , لَيْسَ فِيَّ فَضْلٌ عَلَيْكُمْ , وَلَكِنِّي أَبْسُطُ لَكُمْ وَجْهِي ، وَأَبْذُلُ لَكُمْ مَالِي , وَأَقْضِي حُقُوقَكُمْ ، وَأَحُوطُ حَرِيمَكُمْ ، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي فَهُوَ مِثْلِي ، وَمَنْ زَادَ عَلَيَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمَنْ زِدْت عَلَيْهِ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ .
قِيلَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا يَدْعُوك إلَى هَذَا الْكَلامِ ؟ قَالَ أَحُضُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ .
أين يا إخوان إخلاصكم لدينكم و لبلدكم الغالى ...حينما قتل بعض المسلمين شهداء فى قندهار سأل سينا عمر أصحابه : من القتلى؟ فذكروا له الأسماء ،فلان و فلان و أناس لاتعرفهم ، فدمعت عينا عمر و قال : و لكن الله يعلمهم.!!
و هذا  سيدنا عمر أيضايصور لنا صورة بعض أدعياء العلم و كل بضاعتهم هى تنميق الألفاظ : أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم  قالوا : و كيف يكون منافقا عليما؟! قال : عليم اللسان ، جاهل القلب.
و هذه الصورة نراها اليوم كثيرا فيمن يرون أنههم صفوة من أنجبت مصر،و خلاصة عباقرة الأمة ممن يسمون أنفسهم أهل الليبرالية و العلمانية و اليسارية - دون أن نسمى أحدا-وكلها مسميات براقة مستوردة دخيلة على موروثات الأمة المسلمة التى علمت العالم معنى الحضارة، لكنه اللهاث وراء كل مستورد، على الرغم من أن الله تعالى أكرمنا بأكرم  حكم  و أتقن  تشريع(ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)  يقول الأستاذ أنور الجندى:أعظم معطيات الإسلام : الحكومة المدنية فلا يعترف الإسلام بما يسمى الحكومة الثيوقراطية التى عرفتهاأوربا فى العصور الوسطى ، وليس للإسلام رجال دين و لكن علماء دين يوجهون و ينصحون دون أن يتولوا مناصب الحكم كما رفض الإسلام الدولة العلمانية الوضعية و النموذج الثقافى الغربى باعتباره لا يعبر عن قيم الأمة الإ سلامية .و ملحوظة بسيطة على غالبية المتكلمين من المصريين-إلا من رحم الله-أنهم يخطئون كثيرا فى تشكيل اللغة العربية،و هذا عيب كبير و عار أى عار على مصر، منجبة العقاد و المازنى و الرافعى -هذا إن كان شبابنا قد قرأ لهؤلاء الأفذاذ أو حتى حفظ أسماءهم- فمن الذى أعطى هؤلاء الحق فى أن يتكلموا باسم الكل ،مدعين أن الأغلبية الصامتة التى خدعوها باسم  العودة لشرع الله  لاتدرك أين تكون مصلحتها فهم فقط أهل الحل والعقد.!!
يقولون هذا عندنا غير جائز *** ومن أنتم حتى يكون لكم عند
هذا السيد نجيب ساويرس فى حديثه لقناة كندية يسخر من الشريعة و ممن ينادون بها-و ما يقوله لنا بالعربية غير ما يقوله للغرب بالإنجليزية-و ما كنت أحب أن أفرق بين أبناء الوطن الواحد ولكن (مكره أخوك لا بطل).
كان أحد أعضاء مجلس نقابة المحامين قد تقدم ببلاغ للنائب العام اتهم فيه ساويرس بازدراء الشريعة الإسلامية فى حديث لقناة كندية و إثارته للنعرات الطائفية بقوله : ماذا سيفعل النصارى المساكين إنهم ليسوا أقلية صغيرة فعددهم 12 مليونا إلى أين سيخرجون؟ حتى كنا لا تستوعب 12 مليون مصرى ثم خيل له تفكيره أن يتحدى هؤلاء المطالبين بالشرع قائلا إنه سيخرج للشارع هو و ابنه و مجموعة من أصدقائه سكارى، ثم ادعى على الإخوان أنهم يتلقون مالا من قطر و وصل به التمادى فى غيه أن طلب تدخل الغرب  قائلا : لا تتركونا ضحايا فى معركة غير عادلة.
 و لو أنصف لقال فى حق الإسلام و المسلمين كلمة حق مثلما قال البابا شنودة
 فى حديث له فى السبعينات أمام الرئيس السادات مشيدا بسماحة الإسلام و المسلمين، قال: أريد أن أذكر أن الإسلام  فى جوهره و فى روحه و فى أساسه يعامل غير المسلمين معاملة طيبة ، نذكر من هذا الميثاق الذى أعطى لنصارى نجران ، و الميثاق الذى أعطى لقبيلة تغلب و الوصية التى قدمها الخليفة الإمام عمر بن الخطاب قبل موته ووصية الخليفة أبى بكر الصديق لأسامة بن زيد ، والميثاق الذى أعطاه خالد بن الوليد لأهل دمشق ، و الميثاق الذى أعطاه  عمرو بن العاص لأقباط مصر.. إلى أن قال و أذكرأن عمرو بن العاص عندما أتى إلى مصر كان بطريرك مصر البابا بنيامين مختفيا فى أرجاء مصر من إخوته المسيحيين المختلفين عنه فى الإيمان ثلاثة عشر عاما، لم يجلس فيها على كرسيه، فلما أتى عمرو أمنه على نفسه و على كنائسه و الكنائس التى أخذها منه الروم و أرجعها إليه عمرو بن العاص، بل ساعده أيضا فى بناء كنيسة الإسكندرية.
 كلى ثقة أن مصر ولادة العباقرة ، معلمة الدنيا قادرة بإذن الله تعالى على تخطى هذه الفترة العصيبة من تاريخها،لتعود من جديد لمكانتها السامقة ، شريطة أن ننسى ما دب فينا من خلافات و نزاعات، مسلمين و أقباط، جاعلين من خدمة هذه الأمة وخدمة دينها و هويتها  و موروثاتها هو هدفنا الأسمى ،لتسمو بإخلاصنا وتوحدنا بلدنا الآمنة المباركة. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يذل فيه أهل معصيتك ، و يعم فيه شرعك الحكيم.





:....

الخميس، 22 ديسمبر، 2011




أقوال العلماء فى حكم مصافحة المرأة المسلمة للرجال الأجانب




1- قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا سواء كن شابات أم عجائز، و سواء المصافح شابا أو كبيرا، لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما ، و قد صح عن عائشة رضي الله عنها قالت : * ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ما كان يبايعهن إلا بالكلام *
و لا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بدون حائل لعموم الأدلة   ولسد الذرائع إلى الفتنة. 
*******************************************************************************************
2- سئِل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم مصافحة المرأة المسلمة للرجال الأجانب فأجاب رحمه الله :
لا يجوز للإنسان أن يصافح المرأة الأجنبية التي ليست من محارمه سواء مباشرة أو بحائل لأن ذلك من الفتنة ، وقد قال الله – تعالى " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً " . وهذه الآية تدل على أنه يجب علينا أن ندع   كل شيء يوصل إلى الزنا سواء كان زنا الفرج وهو الأعظم أو غيره ، ولا ريب أن مس الإنسان ليد المرأة الأجنبية قد يثير الشهوة على أنه وردت الأحاديث فيها التشديد الوعيد على من صافح امرأة ليست من محارمه ، ولا فرق في ذلك بين الشابة والعجوز ، لأنه كما يقال لكل ساقطة لاقطة ، ثم حد الشابة من العجوز قد تختلف فيه الأفهام فيرى أحد أن هذه عجوز ، ويرى آخر أن هذه شابة. 
***********************************************************************************************
3-قال الشيخ:محمد صالح المنجد :
  مصافحة الرجل للمرأة حرام لا يجوز ومن الأدلة على ذلك ما جاء في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمسّ امرأة لا تحلّ له . " رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع5045
ولا شكّ أنّ مسّ الرجل للمرأة الأجنبية من أسباب الفتنة وثوران الشهوات والوقوع في الحرام. 
**********************************************************************************************
4- -قال  الشيخ محمد تقي الدين الهلالي

 
سألني أحد الإخوان الصادقين، المتبعين للنبي الأمين، عن حكم الله في مصافحة المرأة المسلمة للرجال الأجانب، الذين لا يحرم عليهم التزوج بها تحريما مطلقا.

فأقول وبالله التوفيق:

أجمع المسلمون من السلف والخلف على أن لمس المرأة الأجنبية في أي موضع من جسمها حرام ومعصية لله، وقد وقعت لي في ذلك قصة عجيبة في بلاد الهند، كان لي تلميذ وهو الشيخ عبد الباري الزواوي من أهل مسقط في عمان، كنت رئيسا لأساتذة الأدب العربي في ندوة العلماء بالهند، فقال لي: إن أخي يسكن مدينة كراتشي وهو من التجار الكبار، فأرجو منك إذا مررت بكراتشي أن تنزل عنده، ولا تنزل في أحد الفنادق وأعطاني عنوانه، فبحثت عنه فوجدته، ورأيته محافظا على الصلاة في أوقاتها فسرني ذلك، ثم ركبنا السيارة وسار بنا إلى بيته، وإذا هو قصر عظيم تحيط به حديقة، فجلست في الحديقة على كرسي أقرأ في صحيفة، فشعرت بشيء وقف أمامي، فرفعت بصري فإذا الرجل تقف إلى جنبه امرأة مكشوفة الصدر والعنق والرأس والذراعين والساقين، فمدت إلي يدها للمصافحة، فلففت طرف طيلساني على يدي، ومددت يدي إليها، وقبضت يدها وغضبت وانصرفت، فقال لي بعلها: كيف تهين زوجتي ؟
فقلت: إن كانت هناك إهانة فأنت الذي أهانها. فقال لي: لماذا امتنعت من مصافحتها هل في يدها جرب، فقلت له: لا تغالط. إن جسم المرأة كله يحرم لمسه على الأجنبى  فأخذ يجادلني حتى انقطع.

والآن ينبغي أن أذكر الدليل على ما أفتيت به هنا:
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره في آخر سورة الممتحنة عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآية ما نصه: روى البخاري، عن عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد بايعتك" كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك" هذا لفظ البخاري. وروى الإمام أحمد، عن أمية بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: "أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ" الآية، وقال: "فيما استطعتن وأطقتن"، قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا ؟ قال: "إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة ".

وعن سلمى بنت قيس- وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد صلت معه إلى القبلتين، قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف قال: "ولا تغششن أزواجكن" قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غش أزواجنا؟ قالت، فسألته فقال: "تأخذ ماله فتحابي به غيره".

وقال الإمام أحمد عن عائشة بنت قدامة- يعنى ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع النسوة ويقول: " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف- قلن نعم- فيما استطعن" فكن يقلن وأقول معهن وأمي تقول لي: أي بنية نعم، فكنت أقول كما يقلن. وقال البخاري، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها، قالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها، وفي رواية: فما وفى منهن امرأة غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما روى البخاري، عن ابن عباس، قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد. فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يُجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: "أنتن على ذلك؟" فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن من هي، قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.

وعن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولاتزنوا ولا تقتلوا أولادكم- قرأ الآية التي أخذت على النساء: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} فمن وفى منكما فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ". وقد روى ابن جرير، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: "قل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا" وكانت (هند بنت عتبة بن ربيعة) التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال؟ فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر: "قل لهن، ولا يسرقن"، قالت هند: والله إني لأصيب من أبى سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا، قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال: {وَلَا يَزْنِينَ} فقالت: يا رسول الله وهل تزنى امرأة حرة، قال: "لا والله ما تزنى الحرة "  قال: {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قَالَ: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}. قال: منعهن أن ينحن وكان نساء الجاهلية يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور.

قال محمد تقي الدين من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الذنوب، وأن المبايعة وهي المعاهدة كان الرجال يصافحونه عندها، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مصافحة النساء حتى يبين أن مصافحة الرجال للنساء حرام، وحتى لا يقتدي به الخلفاء الذين يجيئون من بعده، ثم إن مصافحة الرجال للنساء الأجنبيات مأخوذ من الأوروبيين النصارى، وقد أمرنا بمخالفتهم، وهم لا يكتفون بالمصافحة بل يرقص الرجل مع المرأة بطنا لبطن، فمن تشبه بهم فهو منهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فالواجب على المرأة المسلمة أن لا تسمح لرجل أجنبي أن يلمس شيئا من جسمها، لا اليدين ولا غيرهما، إلا إذا كانت مريضة، ولم تجد امرأة تداويها، فحينئذ يجوز للطبيب (....) أن يداويها ولو لمس جسمها ولا يستثنى من ذلك زوج الأخت، ولا حمو المرأة وهو أخ زوجها، ولا ابن عمها، ولا ابن خالها، لأنهم أجانب شرعا.
والله يوفقنا جميعا للعمل بما أمرنا به وترك ما نهانا عنه أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
************************************************************************

الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2011

حكم نمص شعر حاجبَي المرأة كتبه د . أحمد عبد الكريم نجيب

حكم نمص شعر حاجبَي المرأة
 
السؤال :
ما الحكم الشرعي في تنظيف البشرة من الشعر الزائد ، كزوائد الحاجبين ، و خاصّةً إذا كان ذلك بأمرٍ من الزوج الذي يرى فيهما قُبحاً تجب إزالته ؟
الجواب :
إزالة شعر بَدَن المرأة جائزٌ في الأصل ، و لم يرِد النهي عن شيئٍ منه سوى نمص ( نتف ) شعر الحاجبيَن .
و تحريم النمص مستفاد من نهي القرآن الكريم عن تغيير خلق الله ، كما في قوله تعالى حكاية عن إبليس : ( و للآمرنهم فليغيرن خلق الله ) .
قال ابن العربي في تفسير هذه الآية ، بعد ذِكر ما يؤيّدها من السنّة :
( النامصة : هي ناتفة الشعر تتحسن به ) ، و قال أيضاً : ( و هذا كله تبديل للخلقة و تغيير للهيئة و هو حرام . و بنحو هذا ، قال الحسن في الآية ) .
أمّا أدلّة تحريم النَّمص في السنّة فمنها ما رواه مسلم في صحيحه ‏و الترمذي و أبو داود و أحمد عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه ‏قَالَ : ( ‏لَعَنَ اللَّهُ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَ الْمُسْتَوْشِمَاتِ ‏ ‏وَ النَّامِصَاتِ ‏ ‏وَ الْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَ الْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ) ، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ ‏ ‏بَنِي أَسَدٍ ‏‏يُقَالُ لَهَا ‏أُمُّ يَعْقُوبَ ‏ ‏وَ كَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ ‏ ‏الْوَاشِمَاتِ ‏ ‏وَ الْمُسْتَوْشِمَاتِ ‏ ‏وَ الْمُتَنَمِّصَاتِ ‏ ‏وَ الْمُتَفَلِّجَاتِ ‏ ‏لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ( ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏وَمَا لِي لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ) .
قال ابن الأثير : ( النمص : ترقيق الحواجب و تدقيقها طلباً لتحسينها . و النامصة : التي تصنع ذلك بالمرأة ، و المتنمصة : التي تأمر من يفعل ذلك بها . والمِنماص : المنقاش ) .
و قال النووي في شرح صحيح مسلم : ( ‏و أما النامصة فهي التي تزيل الشعر من الوجه , و المتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها , و هذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب , فلا تحرم إزالتها , بل يستحب عندنا ... و إن النهي إنما هو في الحواجب و ما في أطراف الوجه , ويقال للمنقاش مِنماص بكسر الميم ) .
ثمّ ذكر روى عن ابن جرير الطبري قوله في تحريم النمص لما ينبت من شعر على الوجه مطلقاً .
قلتُ : و العلّتان المذكورتان في الحديث هما : طَلبُ الحُسن ، و تغيير خلق الله ، و يجبُ استصحابهما في الحُكم الشرعي على النامصة و المتنمّصة ، إذ لا ريب في أن الله تعالى خَلَق الإنسان فسوّاه فعَدَله ، فمن عَمَد إلى تغيير خلقِ الله ظنّاً منه أنّ في ذلك تحسينٌ للخِلقة فقد أساء ، و وَقعَ في المحظور .
جاء في تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ( مبتغيات للحسن ) ‏أي طالبات له حالٌ عن المذكورات ‏‏( مغيرات خلقَ الله ) ‏‏هي أيضا حالٌ و هي كالتعليل لوجوب اللعن ) .
أمّا إذا كان ذلك للتداوي ( كما في إزالة السنّ و التالول و الاصبَع الزائد ) فلا بأس به عند الجمهور ، و إن لم يكن في بقائه ألمٌ أو أذىً ظاهر ، خلافاً لما ذهب إليه ابن جرير و من وافقه من اشتراط وقوع الضرر و التأذّي به .
و لا أرى بأساً في إزالة ما بين الحاجبين من شَعر ، لأنّهما ليسا من الحاجبين في العرف ، فلا يأخذان حكمهما في الشرع ، و الله أعلم .
و لا عبرة لرضا الزوج في تحريم النمص ، و لا تجب مجارات رغباته باقتراف ما حرّم الله ، إذ لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق ، و لكنّ الطاعة في المعروف .
روى الشيخان و أبو داود و النسائي و أحمد عنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم قَالَ : «‏ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ »‏ .
و بالله التوفيق ، و عليه الاتكال .(صيد الفوائد)

السبت، 17 ديسمبر، 2011

(فتاوى مهمة )                                                              حكم القراءة من المصحف في الفرض والتراويح السؤال:  ما حكم الإمام الذي يقرأ من المصحف في صلاة الجماعة ؟.  الجواب:  الحمد لله  لا بأس بقراءة القرآن من المصحف في صلاة النفل ، كقيام الليل .  أما الفرض فيكره فيه ذلك لعدم الحاجة إليه غالبا ، فإن احتاج فلا بأس بالقراءة من المصحف حينئذٍ .  قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (1/335) :  " قال أحمد : لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف . قيل له : في الفريضة ؟ قال : لا , لم أسمع فيه شيئا . وقال القاضي : يكره في الفرض , ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ , فإن كان حافظا كره أيضا . قال : وقد سئل أحمد عن الإمامة في المصحف في رمضان ؟ فقال : إذا اضطر إلى ذلك . . . وحُكِيَ عن ابن حامد أن النفل والفرض في الجواز سواء . . .  والدليل على جوازه ما روى أبو بكر الأثرم , وابن أبي داود بإسنادهما عن عائشة أنها كانت يؤمها عبد لها في المصحف .  وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال : كان خيارنا يقرءون في المصاحف . . . .  وأبيحت القراءة في المصحف لموضع الحاجة إلى سماع القرآن والقيام به .  واختصت الكراهة بمن يحفظ لأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة ، والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة . وكره في الفرض على الإطلاق ; لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها " انتهى بتصرف واختصار .  وقال النووي رحمه الله في المجموع (4/27) :  " لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته سواء كان يحفظه أم لا ، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة . . .  وهذا الذي ذكرناه من أن القراءة في المصحف لا تبطل الصلاة مذهبنا ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد " انتهى باختصار .  وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله :  هل يجوز للإمام في أثناء الصلوات الخمس أن يقرأ من المصحف ، وخاصة صلاة الفجر لأن تطويل القراءة فيها مطلوب وذلك مخافة الغلط أو النسيان ؟  فأجاب :  " يجوز ذلك إذا دعت إليه الحاجة ، كما تجوز القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن ، وقد كان ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها يصلي بها في رمضان من مصحف ، ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ، وتطويل القراءة في صلاة الفجر سنة ، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف ، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن ، وأن يجتهد في ذلك ، أو يحفظ المفصل على الأقل حتى لا يحتاج إلى القراءة من المصحف ، وأول المفصل سورة ق إلى آخر القرآن ، ومن اجتهد في الحفظ يسر الله أمره ، لقوله سبحانه : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) وقوله عز وجل : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) . والله ولي التوفيق " انتهى . "مجموع فتاوى ابن باز" (11/117) .  والله أعلم .   ( الإسلام سؤال وجواب)

الثلاثاء، 13 ديسمبر، 2011

مشاهير عادوا إلى الحق (توبة الشيخ أحمد القطان )



     توبة الشيخ أحمد القطان

الشيخ أحمد القطان من الدعاة المشهورين والخطباء المعروفين يروي قصة توبته فيقول:
إن في الحياة تجارب وعبراً ودروساً… لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلّبة حائرة… لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية – ولا تربية – ثمانية عشر عاماً.
وتخرجت بلا دين… وأخذت ألتفت يميناً وشمالاً: أين الطريق؟ هل خلقت هكذا في الحياة عبثاً؟.. أحس فراغاً في نفسي وظلاماً وكآبةً.. أفر إلى البر… وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكن أعود حزيناً كئيباً.
وتخرجت في معهد المعلمين 1969م وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغموم إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي به بعضهم إلى بعض حتى نفخوا فيّ نفخة ظننت أنني الإمام المنتظر؟

رأوني أميل إلى الشعر والأدب فتعهّدوا بطبع ديواني نشر قصائدي وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة ثم أخذوا يدسون السم في الدسم.
يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأجد كتباً فاخرة أوراقاً مصقولة… طباعة أنيقة عناوينها: (أصول الفلسفة الماركسية)، (المبادئ الشيوعية) وهكذا بدءوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية العامة، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز… أشرب الشاي بكوب قديم وحولي العمال… فإذا مرّ رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر، إن هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك… وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر… إننا الآن نهيئها في (ظفار) ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائداً من قوادها.
وبينما أنا اسمع هذا الكلام أحسّ أن الفراغ في قلبي بدأ يمتلئ بشيء لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان… فالقلب كالرحى… يدور… فإن وضعت به دقيقاً مباركاً أخرج لك الطحين الطيب وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى.
ويقدّر الله – سبحانه وتعالى  - بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهراً ثم عاد.
وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر… كانت الجلسة تمتد من العشاء إلى الفجر يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل (التفسير المادي للتاريخ) و (الاشتراكية والشيوعية في الجنس والمال) …ثم يقولون كلاماً أمرّره على فطرتي السليمة التي لا تزال… فلا يمرّ…أحس أنه يصطدم ويصطكّ ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأراهم عباقرة… مفكرين… أدباء… شعراء… مؤلفين كيف أجرؤ أن أناقشهم فأسكت.
ثم بلغت الحالة أن أذّن المؤذّن لصلاة الفجر فلما قال (الله أكبر) أخذوا ينكّتون على الله ثم لما قال المؤذن (أشهد أن محمّدا رسول الله) أخذوا ينكّتون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي وإذا أراد الله خيراً بعباده بعد أن أراه الظلمات يسرّ له أسباب ذلك إذا قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع(...)  الشاعر الشعبي بمصر وهو الوحيد الذي رأيته يطبّقها تطبيقاً كاملاً.
فقلت: عجباً… ما علامة ذلك؟!!.
قال: (إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضاً وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه…) هكذا يقول… والله يحاسبه يوم القيامة فلما قال ذلك نَزَلَتْ ظلمة على عينيّ وانقباض في قلبي وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا وربّ الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!!
ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ مادمت أنت ترى ذلك فلماذا لا تدع زوجتكم تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: (إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية، وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منه جميعا...)
ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء فقدّر الله أن ألتقي بإخوة في (ديوانية)
كانوا يحافظون على الصلاة... وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون وأقصى ما يفعلونه من مأثم أنهم يلعبون (الورقة).
ويقدّر الله أن يأتي أحدهم إلىّ ويقول: يا أخ أحمد يذكرون أن شيخاً من مصر اسمه (حسن أيوب) جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حبّ الاستطلاع..
فقلت: هيا بنا.. وذهبت معه وتوضأت ودخلت المسجد وجلستُ وصليتُ المغرب ثم بدأ يتكلم وكان يتكلم واقفاً لا يرضى أن يجلس على كرسي وكان شيخاً كبيراً شاب شعر رأسه ولحيته ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب.
وبعد أن فرغ من خطبته أحسستُ أني خرجت من عالم إلى عالم آخر.. من ظلمات إلى نور لأول مرة أعرف طريقي الصحيح وأعرف هدفي في الحياة ولماذا خلقت وماذا يراد مني وإلى أين مصيري..
وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلّم عليه.
ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام..
عدتُ في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ وأخذتُ أسمعها إلى أن طلعتِ الشمس ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأردّه ثم طعام الغداء وأنا أسمع وأبكي بكاءً حارّاً وأحسّ أني قد ولدتُ من جديد ودخلتُ عالماً آخر وأحببتُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي وبدأتُ أنكبُ على سيرته قراءةً وسماعاً حتى حفظتها من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فأحسستُ أنني إنسان لأول مرة في حياتي وبدأت أعود فأقرأ القرآن فأرى كل آية فيه كأنها تخاطبني أو تتحدث عني (أوًمنْ كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها…) سورة الأنعام
نعم.. لقد كنت ميتاً فأحياني الله… ولله الفضل والمنة… ومن هنا انطلقتُ مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين وبدأت أدعوهم واحداً واحداً ولكن… (إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)… أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة فانقلبتْ به السيارة ومات وأجره على الله.
وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وأنا أناقشه أقول له: أتنكر وجود الله؟!! وتريد أن تقنعي بأن الله غير موجود؟!! فابتسم ابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد.. إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن.. أما أنا فاتركني.. فإن لي طريقي ولك طريقك.. ثم صافحني وانصرفت وظل هو كما هو الآن؟
وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلاً ومنهم من أصبح شاعراً يكتب الأغاني وله أشرطة (فيديو) يلقي الشعر وهو سكران... وسبحان الذي يُخرج الحي من الميت... ومن تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين.





[1] هذه القصة ذكرها الشيخ في محاضرة له بعنوان (تجاربي في الحياة)