إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 23 مايو، 2014

من روائع العظماء:

المطالعة
علي الطنطاوي (ت 1420هـ - 1999 م)
الخميس 8 ربيع الثاني 1433هـ

لقد جرَّبت اللذائذ كلَّها، فما وجدت أمتع من الخلوة بكتاب، وإذا كان للناس ميول، وكانت لهم رغبات، فإن الميل إلى المطالعة والرغبة فيها هي أفضلها.

وهذا الكلام .... للطالب، وللمدرس، وللطبيب، وللمرأة في بيتها، وللمسافر، وللمقيم.

الطالب إذا اقتصر على دروس المدرسة ولم يطالع لا يصير عالماً.

وما دروس المدرسة؟
إن مثال ما يقرؤه الطالب في الثانوية مثال من يُريد أن يعمل وليمة، فهو يدخل المطعم ليختار طعام الوليمة، فيذوق لقمة من هذا، ولقمة من ذاك، فإذا أعجبه لون اشترى منه، والطالب يذوق في الثانوية لقمة من لون التاريخ، ولقمة من الحساب، ولقمة من النحو، ولقمة من الكيمياء... ليرى ما ترغب فيه نفسه ويميل إليه طبعه فيقبل عليه، فإذا اكتفى بما درسه في المدرسة لم يُحصِّل شيئاً؛ لأن اللقمة لا تُشبع الجائع!

فليتعوَّد الطلاب المطالعة، وليبدؤوا بالكتب الخفيفة السهلة.

لي أخ أحببت أن أُعوِّده على المطالعة وهو صغير، فأتيته بـ(قصة عنترة) في ثمانِ مجلدات.

و(قصة عنترة) مكتوبة بأسلوب فصيح، وفيها فروسية وفيها أدب، وفيها كثير من أخبار العرب، وإن كان مخلوطاً فيها الحقُّ بالباطل، والواقع بالخيال، وليست كقصص هذه الأيام فقرأها كلها، المجلدات الثمانية، وحفظ أكثر ما فيها.

ثم أتيته بـ(فتوح الشام) المنسوب للواقدي، وهو كتاب مزيج من التاريخ ومن القصة، فقرأه، ثم تدرَّج في المطالعة حتى صار يقرأ الكتب الكبار.

فليبدأ الطلاب ولو بالقصص، على أن يختاروا منها القصص البليغة الأسلوب، العالية الهدف، العميقة المغزى.

ولقد تُرجمت أكثر القصص الأدبية العالمية، كالتي ترجمها المنفلوطي أو تُرجمت له فكتبها بأسلوبه أو ترجمها الزيات، وغيرها من كتب التراجم التي هي أجمل من القصص. ...

ثم ينتقلون من القصص إلى كتب الأدب، فيقرؤون- مثلاً- (البخلاء) للجاحظ، و(كليلة ودمنة) لابن المقفع.

ثم يقرؤون كتباً أنفع، ككتاب (صيد الخاطر) لابن الجوزي، وكتاب الحارث المحاسبي (الرعاية لحقوق الله)، ثم يقرؤون كتب العلم.

وخير ما يقرؤون القرآن، بشرط أن يفهموا ما يقرؤون، وقراءة سورة قصيرة مع الفهم والتدبر خير من ختمة بلا فهم ولا تدبر. القرآن أساس البلاغة في القول، فضلاً عن كونه أساس الهداية للقلب، وكونه دستور الحياتين وسبب السعادتين.

والذين تسمعون عنهم من بلغاء النصارى في هذا القرن ما بلغوا هذه المنزلة إلا بدراسة القرآن، كالشيخ ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم اليازجي، وفارس الخوري، هذا وهم نصارى، ونحن أوْلَى بهذا الكتاب.

فليتعوَّد الطلاب المطالعة بأن يقرؤوا كل يوم خمس صفحات لا يتركونها أبداً.

أنا من نصف قرن أقرأ ما لا يقلُّ معدله اليومي عن عشرين صفحة، بل لا يكاد يقلُّ عن خمسين، فاحسبوا كم يبلغ مجموع عشرين صفحة في اليوم في خمسين سنة؟
أكثر من ثلث مليون.

لا تعجبوا، فكثير من الناس قرؤوا أكثر من ذلك، العقَّاد مثلاً أعرف أنه قرأ أكثر منها.

أما العلماء المتقدمون فمنهم من بلغت مؤلفاته، لا مطالعته، خمسين ألف صفحة.

ومن كان من الطلاب يملك مالًا- من راتب من الدولة، أو نفقة له من أبيه- فليخصِّص منه كلَّ شهر خمسة ريالات أو عشرة لشراء الكتب، على أن يحسن اختيار ما يشتري، يجد أنه لم يكمل دراسته حتى صارت عنده مكتبة صغيرة.

ومن لم يجد مالاً فإن المكتبات العامة موجودة، والمطالعة فيها مجانية، فليذهب إليها.

المهمُّ حسن اختيار الكتب؛ فالكتب مثل الأطعمة، فيها النافع وفيها الضار، ومنها المغذِّي المفيد، وما هو كثير الدَّسَم عظيم النفع، ولكن لا تشتهيه النفس، وما هو مُشَهٍّ لذيذ ولكن لا ينفع، ومنها السمُّ القاتل، ومنها ما هو سمٌّ ولكنه ملفوف بغشاء من السكر، فمن انخدع بحلاوة الغشاء قتله السمُّ!

ومن أكل كلَّ ما يجده = – يخلط به الحلو والحامض والحار والبارد – أصابته التخمة وسوء الهضم، ومن قرأ كلَّ شيء = صار معه سوء هضم عقلي!

ومن الكتب ما يُدخل الجنة، ومنها ما يُدخل النار، فلينتبه الطالب، وليسأل من يثق به من المدرسين والعلماء، وإلا كان ترك المطالعة خيراً منها.

لما كنا صغاراً لم يكن في أيامنا هذا الرائي (التلفزيون) ولا الرادُّ (الراديو)، ولا كانت هذه الأشياء قد اختُرعت، ولم تكن السينما الناطقة قد وجدت، فما كان عندنا من التسليات إلا المطالعة.

ولم يكن شيء من أمثال هذه المجلات المصورة، فكنَّا إذا أردنا أن نقرأ الأشياء الخفيفة لإضاعة الوقت لا نجد إلا قصص الفروسية، كـ(قصة عنترة) و(حمزة البهلوان) و(الملكة ذات الهمة) و(سيرة بني هلال)، وأمثال ذلك.

ثم أخذنا نقرأ كتب الأدب..

ولقد قرأت (الأغاني) كله (وهو في بضعة وعشرين مجلداً) في عطلتين صيفيتين متواليتين، وأنا في أول الدراسة الإعدادية.

لم أفهم كلَّ ما فيه، ولا نصفه، ولكن قرأته، وعلَق في ذهني من أخباره شيء كثير، لا أزال أذكره إلى اليوم رغم قدم العهد، وضعف الذاكرة.

المطالعة ضرورية للطالب وضرورية للمدرس؛ فالمدرس الذي يقتصر على ما تعلَّمه في المدرسة، ولا يطالع ليوسع أفقه ويزيد علمه، يتخلَّف عن القافلة، ويصبح بين الطلاب كأنه طالب حافظ لدرسه!

وهي ضرورية للطبيب، ليطلع على ما كُشف من أمراض، وما استُحدث من طرق العلاج وما جدَّ من أدوية.

وضرورية لعالم الدين، ليرى ما حدث في الدنيا، فيعرف كيف يبيِّن حكم الله فيه.

وضرورية لعلماء الدنيا ليعرفوا أحكام دينهم وأسراره ومزاياه.

ولو أردنا أن نعرف مقدار رقي بلد فلننظر إلى عدد الكتب التي تباع فيه.


جاءني مرة طالب يشكو مرَّ الشكوى من كثرة ما كُلِّف بحفظه من الشعر العربي.

قلت: وما الذي كُلِّفت به؟
قال: كُلِّفت بحفظ مائتي بيت في السنة.

ولما قال: (مائتي بيت).
ضخَّم صوته، ورفع حاجبيه، وفتح عينيه، وضغط على الحروف، كأنه يأتي بإحدى المدهشات.

فقلت له: إن حماد الراوية كان يحفظ أكثر.
قال: ومن حماد الراوية؟

قلت: وجهلك به أعجب.
حماد كان في العراق، فأبلغه والي الكوفة أن الخليفة هشام بن عبد الملك يدعوه لأمر مهمٍّ، وأعطاه خمسة آلاف درهم لينفق منها على عياله في غيبته ثم سفره على نفقة الخليفة إلى دمشق.

أما الأمر المهم الذي استدعاه الخليفة من أجله، فهو أن الخليفة كان يتوضأ والخادم يصبُّ على يديه من الإبريق، فتذكر أن كلمة (إبريق) قد وردت في بيت شعر، ولم يقدر أن يذكر البيت، فدعاه ليسأله عنه.

فخبَّره أن البيت هو:


ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت
قينة في يمينها إبريــــــــق

ثم سأله (وهنا الشاهد): كم تحفظ يا حماد من الشعر؟
قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، ولكن أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة لمائة شاعر معروف.

قال: هات فأنشده حتى ملَّ الخليفة، فوكل به من يسمع منه، فأنشده مِن حفظه ألفين ومئتي قصيدة.

فإذا كان في كل منها عشرون بيتاً على الأقل فهذه أربعة وأربعون ألف بيت.
وأنت تستكثر حفظ مائتي بيت!

إن الحفظ هو الميزة الأولى للذهن العربي، أو الإسلامي إن شئت؛ لأن العلوم كلها قد نقلت حفظاً، ورُويت رواية، ولم يبدأ التدوين والتأليف إلا في أواخر القرن الثاني.

وحفظ المحدثين أعجوبة، ومنهم- كالدارقطني- من كان يحفظ مئة ألف حديث بسندها.

هل تعرف ما هو السند؟
هو طريق رواية الحديث، أي قولهم: حدثنا فلان عن فلان... هذا هو السند.

ومنهم من يحفظ من أسماء الرواة العشرة الآلاف وأكثر من ذلك، ومنهم من كان يسمع عشرات الأحاديث فيحفظها من مرة.

لما جاء الشافعي إلى مالك، وقعد في حلقته، كان مالك يُملي والطلاب يكتبون، ولم يكن مع الشافعي قلم ولا ورق، فجعل يبلُّ إصبعه بريقه، ويكتب على ذراعه.

الكتابة لم تكن لتظهر بالطبع، ولكنه يصنع ذلك ليُثبِّت الأحاديث في ذاكرته.

ورآه مالك فحسبه يهزأ به ، فقال له: إنما أكتب ما أسمع لأحفظه، وإن شئت أعدته عليك.
قال: أعده. فأعاد الدرس كله.

وقصة البخاري في بغداد أعجب، لما جاء البخاري بغداد وقعد للدرس، وكان شابًّا، أراد بعض المحدثين أن يختبروا حفظه، فجاؤوا بمائة حديث، فخلطوا متونها بأسانيدها، أي أنهم جعلوا سند هذا المتن لذاك، وسند ذاك لهذا، ثم جاؤوا بعشرة أشخاص، فحفَّظوا كل واحد عشرة من الأحاديث المخلوطة.

فلما قعد البخاري للدرس قام أولهم فسأله: ما تقول في حديث كذا؟
وسرد عليه أحد الأحاديث المخلوطة، فقال: لا أعرفه.

فسأله عن الثاني، والثالث، إلى العاشر، وهو يقول: لا أعرفه.

فلما فرغ قعد، وقام الرجل الثاني فصنع مثله، والثالث والرابع... حتى عرضت عليه الأحاديث المائة، وهو يقول: لا أعرفها.

وتعجَّب الناس، وظنَّ العامَّة أنه رجل جاهل؛ لأنَّه يُسأل عن مائة حديث فلا يعرف منها شيئًا.

فلما فرغوا قال البخاري للرجل الأول: قم.

فقام، فقال له: الحديث الأول الذي سألتني عنه رويتَه كذا، وجوابه كذا، والحديث الثاني رويتَه كذا وجوابه كذا... حتى أعاد الأحاديث المائة بخطئها وصوابها.

وليس العجيب حفظه الصواب، بل العجيب حفظه الغلط.

وأغرب من هذه القصة قصة أبي العلاء المعري، ومن رواها مؤرخ ثقة هو ابن العديم.
قال: كان المعرِّي في مسجده، وكان إلى جنب المسجد رُوميَّان يتكلَّمان بلسان الروم (وهو لا يعرفه)، ثم اختلفا على شيء، ورفعا الأمر إلى القاضي، فطالب أحدهما بالبينة.

فقال له: ما كان معنا أحد، ولكن كان في المسجد شيخ يسمع كلامنا فادع به، فدعا القاضي بالمعرِّي وسأله.

فقال المعري: أنا لا أعرف ما قالا، ولكن أعيد عليك ألفاظهما.

وأعادها بالرومية!
وهذه القصة-إن صحت- كانت من أعجب العجب.

وقصة المتنبي لما وقف يشتري كتاباً صغيراً، فجعل ينظر فيه، فقال له البائع: إن كنت تريد أن تشتريه فهات الثمن، وإن كنت تريد حفظه، فإنك لا تستطيع أن تحفظه في وقفة.

قال: ماذا يكون منك إن كنت قد حفظته؟
قال البائع: إن حفظته فهو لك.

قال: خذ فانظر. وقرأه عليه، وإذا به قد حفظه!

والغزالي... يقول الغزالي: مِن أساتذتي الذين استفدت منهم قاطع طريق، خرج علينا مرة فأخذ كلَّ ما في القافلة، وأخذ (تعليقتي) (وهي دفتر المذكرات التي كان يكتب فيها ما يسمعه من العلماء).

قال: فجعلت أتوسل إليه وأقول: أنا لا آسف على مال ولا متاع، ولكن تعليقتي.

قال له: وما تعليقتك؟
قال الغزالي: دفتر فيه علمي كلُّه.

فضحك قاطع الطريق وقال: ما هذا العلم الذي يذهب منك إن ذهب دفتر؟
قال الغزالي: فانتبهت لهذا الدرس، وجعلت أحفظ كل شيء أسمعه؛ لئلا يذهب إن ذهب الكتاب.

ومن هنا قالوا:


ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ
ما العلم إلا ما حواه الصَّدْرُ


 المصدر: فصول في الثقافة والأدب للشيخ علي الطنطاوي، جمع وترتيب مجاهد مأمون - دار المنارة، ط1، 2007هـ (ص 179) بتصرف من موقع الدرر السنية

الأربعاء، 14 مايو، 2014

ماذا تريد أن يقال عنك بعد الموت؟..مصطفى صادق الرافعى


  ماهي الكلمات التي تقال عن الحي بعد موته إلا ترجمة أعماله إلى كلمات، فمن عرف حقيقة الدنيا عرف أنه فيها ليهيئ لنفسه ما يحسن أن يأخذه، ويعد للناس ما يحسن أن يتركه، فإن الأعمال أشياء حقيقية لها صورها الموجودة وإن كانت لا ترى.
وبعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدوا، وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق، ويرتفع الجسد المحسود، وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه وتبقى الأعمال تنبه على قيمة عاملها، ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه، وينتزع الزمن ليل الميت ونهاره، فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله.
ومن هنا كان الموت أصدق وأتم ما يعرف الناس بالناس، وكانت الكلمة بعده عن الميت خالصة مصفاة لا يشوبها كذب الدنيا على إنسانها، ولا كذب الإنسان على دنياه، وهي الكلمة التي لا تقال إلا في النهاية، ومن أجل ذلك تجيء وفيها نهاية ما تضمر النفس للنفس.
وماذا يقولون اليوم عن هذا الضعيف؟ وماذا تكتب الصحف؟.
هذه كلمات من أقوالهم: حجة العرب، مؤيد الدين، حارس لغة القرآن، صدر البيان العربي، الأديب الإمام، معجزة الأدب... إلى آخر ما يطرد في هذا النسق، وينطوي في هذه الجملة. فسيقال هذا كله، ولكن باللهفة لا بالإعجاب، وللتاريخ لا للتقريظ، ولمنفعة الأدب لا لمنفعة الأديب، ثم لا يكون كلاماً كالذي يقال على الأرض يتغير ويتبدل، بل كلاماً ختم عليه بالخاتم الأدبي، وكأنما مات قائلوه كما مات الذي قيل فيه.
أما أنا فماذا ترى روحي وهي في الغمام وقد أصبح الشيء عندها لا يسمى شيئا؟ إنها سترى هذه الأقوال كلها فارغة من المعنى اللغوي الذي تدل عليه، لا تفهم منها شيئا إلا معنى واحد هو حركة نفس القائل، وخفقة ضميره، فشعور القلب المتأثر هو وحده اللغة المفهومة بين الحي والميت.
سترى روحي أن هؤلاء الناس جميعا كالأشجار المنبعثة من التراب عالية فوقه وثابتة فيه، وستبحث منهم لا عن الجذوع والأغصان والأوراق والظاهر والباطن، بل عن شيء واحدٍ هو هذه الثمرة السماوية المسماة القلب، وكل كلمة دعاءٍ وكلمة ترحمٍ وكلمة خير. ذلك هو ما تذوقه الروح من حلاوة هذه الثمرة.

الجمعة، 9 مايو، 2014

"خواطر" للأستاذة الفاضلة : وصال تقة



ليس كل ما نتمناه نحققه ، فلنعش كما الفراشات نتنقل بين الأمنيات و نرشف من رحيق الأحلام ونستعيض عما لم نستطع إنجازه بما نستطيعه ..
لا مكان للفراغ في بساتين الأحلام..
____________________________________________________



  • وبي رغبة عارمة في هذه اللحظة أن أنظر إلى السماء من أقباء الحرم، وأن تختلج عبراتي، فأمرغ بها الأرض تحت جبهتي ،وأبكي وأبكي دون أن أضطر إلى مسح مدامعي، لرؤية من بالقرب.. أن أبث كل ذاك الهم الجاثم فوق أنفاسي وأن أسأل واسع الفضل ذا الخزائن من خير ما عنده ..

أن أنبعث من دمعة، و أن أنبثق من سجدة، و أن أولد من دعوة .. أن تهيم روحي في اغتسالها من أدرانها ومن الوحل الذي يشد منها المسير........
___________________________________________________________________________

  • مقتطف من قصة (اعترافات متأخرة (

"
أرض الشوك"

كنت أعلم أنك – كما دوما- ستمارسين عادتك في الاغتسال بدموعك الحرى ،دون أن تلجئيني لمسح وجنتيك الذابلتين، و لا لأن أتلو على مسامعك تراتيل الاعتذار و قواميس البوح الجميل ..و أنك ستتوسدين النجوم وستحلبين القمر، وستجعلين –كما دوما -كل الأفلاك تشهد أن قطار المسافات البعيدة قد آن له أن يتوقف..وكنت على يقين أنك –كما دوما- ستتوهين في زقاق فؤادك، وستتقاذفك سكك الشوق إلي؛فتعودين حتما إلي. وكطفلة تائهة لمحت أمها سترتمين بين أحضاني ..سأبعد رأسك عني وسأُخجل توسلاتك ..ستلاحقينني كما تلاحق القطا أسرابها أوكما يتبع هر وليد أمه ..وسأصعد كل الأدراج ..و سأعلو كل الأبراج ،وسأجعل لحن نحيبك يتردد صدى في سراديب صوتك الأبكم ..وحينما ستنهارين سأجد لك ألف حكاية وحكاية لأجعلك تركعين و تخضعين ..وسأجد لنفسي ألف عذر وعذر لأمارس طقوس ذكورتي وفحولتي ..
وستبكين ..وستنتفضين ..وستعترفين ألا منجى لك مني إلا إلي..وسأوصد دون أحلامك الصغيرة أبوابي وسأحتفي –كما العادة- بتباشير النصر وسأقيم – كما العادة- مهرجانات النشوة على طللك المتهشم بمعاولي..
لكنك هذه المرة لم تفعلي..
لم تمرغي أنفك القرمزي في صدري و لم تبلليني بدموعك الحرى ،و لم ترمقيني بنظراتك الطفولية المنكسرة .. لم تلوذي بي ولم تنكسري بين يدي ولم تهبي لي فرصة تمزيق دفاتر ولهك وتشريد حروف بوحك الحزين..وجعلك تتلين على مسامعي فصول البيعة ودساتير الولاء ..
يومها ..لم أعلم أن انفجارا قويا سيحدث وسيجعل تلك الروح التي أبت دون روحي المساكن ، يسكنها جني الثورة ويتلبس بها مارد التحدي فأرقبها في صمت ،يداي إلى عنقي والحيرة تلجمني ،وهي تنساب من بين حناياي و من تفاصيل رموشي ومن بين أناملي ،دون أن أستطيع لملمة طيفها .. و أن العاصفة ستقتلع ذلك العش الذي شيدته يوما على فوهة بركان خامد

__________________________________________________
  • (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر )

- "التكاثر" مصدر على وزن تفاعل ،وهذا الوزن يعني -من بين ما يعنيه- التدرج أي حصول الفعل شيئا فشيئا . وهذا ينبهنا إلى أن الفعل أو الشيء المتكاثر به قد يكون في أصله محمودا ،لكن الإفراط في الاستكثار منه، والتكاثر به هو المذموم وهو الذي يوصل للمنهي عنه ،

قد يكون تكاثرا بالأولاد ، فيلهيه ذلك عن تربيتهم تربية صحيحة ،واحتساب الأجرعند الله .........
وقد يكون تكاثرا بالمال يسعى لحيازته ،والمفاخرة به فيسلك طرقا غير مشروعة في تحصيله وفي إنفاقه ، وشغله الشاغل التفاخر به على أقرانه ومثلائه ، لا إنفاقه في سبيل الله وفي وجوه الخير ..
قد يكون التكاثر بالقبيلة وهذا مشاهد مرئي بشكل خاص في الأرياف والبوادي ..
قد يكون التكاثر بالشواهد العلمية الأكاديمية فترى المرء يمضي وقته في حصد الشهادات وقد يلهيه ذلك عن تحصيل العلم الشرعي وفهم الدين..
وقد يكون التكاثر بالعلم الشرعي،فيمضي كل وقته في تحصيله وقد يضيع بذلك حقوقا ويتلف واجبات ؛ بل قد لا يجد الوقت للتطبيق العملي لما حصّله ،أو قد يصرفه العكوف عليه عن ذلك..أوقد تكون نيته غير خالصة لله ...

_______________________________________________________



- المؤمن مطالب بحضور فكره ووعيه وتدبره لأفعاله في كل مراحلها ،فقد نعلم حال إقبالنا على الفعل أنه مطلوب أو أنه مباح ، لكننا قد لا نتنبه في مراحل متقدمة من أننا جاوزنا الحد في طلبه ،أو قد نتنبه ولكن حين فوات الأوان ، وذلك حتى يبقى وسطا دائما فلا إفراط ولا تفريط ،ولعل هذا هو المطلوب من هذه الأمة وهو سمتها :(وكذلك جعلناكم أمة وسطا...)
_______________________________________________________
-
ثقافة الكم والعدد تلهينا عن الكيف والنوع ، وتنقلنا من الأداء الحقيقي العميق الدقيق ،إلى الأداء السطحي المبني على الكثرة ، فيصبح المعيار : كم ختمت من ختمة ؟(على حساب التدبر) ، كم صليت من ركعة ؟ (على حساب الخشوع )كم ألقيت أو استمعت من محاضرة ؟(على حساب الوعي والفهم وتفعيل ما نسمع وما نقول في الواقع) كم تحفظ من القرآن ؟ ( على حساب تطبيق أحكامه واتباع أوامره و الانزجار بنواهييه ) كم لك من الأتباع و الأنصار؟( على حساب اجتماعهم على الحق والصواب (...

 _______________________________________________________

     قالت : أراك متقلبة بين حزن وشجن ،وبين أمل وتفاؤل ؟
فقلت : هل يمنع الحزن الدفين من أن نستبشر كي تكون لنا البشرى؟ وهل يمنعنا الاستبشار من أن نتألم؟
ابيضت عيناه - عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام- لفراق الحبيب وقال يا أسفى وتولى وهو كظيم كميد كئيب مغموم مكروب وقال (وأعلم من الله ما لاتعلمون ) فهل أثناه الحزن عن الأمل فيما عند ربه الكريم الجواد؟ و قال قبلها : ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا)،فهل أثناه أمله ورجاؤه في لقاء أبنائه وفي فرج ربه عن أن يحزن و يتألم ؟
الآلام لا تبرح من كان له حس ، والأحزان والخيبات سُنة المجبولة على الكبد والنصب ، ونحن متقلبون بين بسمة وزفرات وبين نشوة و دمعات ، وإذا ما صفت لنا ساعة فعلينا أن ندرك أنها إلى غيوم وكدر ، و أن الأصل في الحياة الهمّ والغم والمصائب حتى لا نركن إلى الدنيا ولا نستعذب صفاءها المؤقت ، وحتى تتوق أنفسنا إلى دار السعادة الدائمة ، و نكون دائمي الأهبة والاستعداد لما تلقيه الأقدار في طريقنا ، متوقعي الاصطدام بالخيبات حتى لا نتلقاها تلقي المعتوه الذي يفزع لسماع قطرة ماء منحدرة فوق زجاج نافذة ..
______________________________________________________
ما أقبره القلب فلا بعث له ولا نشور..
و ما أسقطته العيون ؛فهل من جبر للكسور ؟؟؟
فيا سعد من وأد الفؤاد ومارس العمى
ونسف ما يوغر الصدور..
 _____________________________________________________


الشمس المحتشمة هذا الصباح أخذت أخيرا قرارها و اقتحمت نسيج المزن ..
وُلدت هذا اليوم مرتين ، مرة بإطلالة الفجر ومرة من بوتقة الاقتحام ..
 ______________________________________________________


(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)


بعض الأمور التي نستعظمها ليست بشيء عظيم في جانب حكمة الله و إرادته وقوته وعزته وغناه سبحانه ..
بعض الأذى الذي يصيبنا ،وبعض الضر الذي يمسنا لا يصرف إنفاذ مراد الله و لا يعطل رسالته سبحانه التي ارتضاها لعبيده ..النبي صلى الله عليه وسلم عاش الفقر والحروب وأوذي ومسه الضر وأهله ،واتهمت زوجته الطاهرة زورا وبهتانا ،وكسرت رباعيته الشريفة ،ولكن لم يعطل ذلك رسالته التي اختارها الله لعباده .(هو علي هين)
وبعضنا قد يصاب في بدنه أو في ماله أو في ولده ،ولكن يحفظ الله عليه دينه ،فما بلاؤه أمام حفظ الدين؟(هو علي هين)
وما الذنب أمام رحمة الله لمن تاب وأصلح و أناب؟(هو علي هين)
وما الفقر أمام غنى الله لمن توكل عليه حسن التوكل وأخذ بالأسباب وافتقر لمولاه وأطال قلبه السجود بين يديه سبحانه ؟(هو علي هين)
وما الذل أمام عزة الله لمن تملق وتذلل وأناخ مطاياه بباب الله ؟(هو علي هين )

فاللهم حقر في قلوبنا الدنيا ،وهون في أعيننا مصائبها ،ولا تجعل مصيبتنا في ديننا .
اللهم إنا نسألك يقينا صادقا وإيمانا كاملا وقلبا متعلقا بك وبجودك ورحمتك .

 _______________________________________________________

على جفون الندى..... (البسيط(:

على جفون الندى في رحلتي أهذي ... يقتادني النبض بين الورد واللحد
يعانق الليل طيف الموت في كفني... ويكتم الصبح وجه القرب والبعد
أوَ يُدفن النبض سرا في مدافننا ... وتُمنع الروح عطرَ البوح والشهد؟
ويَطرد الزهر أحلاما مثوَّرة ... أما كفاها الجوى من وطئة السهد
أما ينسم روحي عطرُ أوبتها ... فتنقذ النبضَ من ترسانة الفقد
***************************************************
قرر من أنت .. كي تسهل على من حولك أن يعاملوك
***************************************************

روح شفيفة ، وحس متجذر في العمق ، وعيون محبة للجمال ..
تلك كل القضية حتى تستشعر الجمال في كل ما يحيط بك ، وتجعل من كل القصاصات موضوعات للتأمل والتفكر ..
  

قد لا تتوقف الحياة بسبب حلم ضائع بين قصاصات الأحلام ، و أمنية تائهة عن دروب
  الأمنيات.. سيسير القطار ، والمركب الذي اعتاد الرحيل سينصب شراعاته وسيسير وسيعبر كل البحار .. وستقذفه موجة لموجة لموجة .. سيقف مليا عند المرافئ ، وسيكمل رحلته المتقلبة بين مد وجزر .. وسيسير ..
سيعبر القطار كل السكك ، وسيقف حتى في المحطات الفارغة من المسافرين كي يثبت لهم أنه إن لم يحملهم فلأنهم قد تخلفوا عن الميعاد لا لأنه لم يقف بمحطتهم .. سيحمل على متنه أقواما وسيُنزل آخرين .. وسيعبر كل السكك ، وسيسير..
وستسير الحياة ..
لكن شيئا في الأعماق سيظل يكبح ذلك العصفور القابع في أعماقنا المتحين فرصة التحليق فوق الآكام .. فوق الخمائل .. فوق رؤوس التواقين لبذر الأحلام وزرع الأمنيات ..
لا شيء سيوقف القطارات ولا المراكب.. ولن يحقق العصفور أمنيته في التحليق مادام مكبوح الجناحين..
 ____________________________________________________

حطم قيدك ،واغتسل بماء التوبة كي تنبت كما تنبت الحبة في حميل السيل ، و ارحل عن بِرَك المعصية والدون التي تغرقك في أوحالها وتثثقل خطوك وتهوي بك في سُحْقِها..
واعلم أن حبك الخير للناس الذي جبلت عليه إنما هو جذوة تذكرك بأن في أعماقك طاقات نور آسنة قد غيرها طول المكث ،وروح تواقة للعلا يكبحها التسويف تارة و العجز والكسل أخرى والغفلة بين هذا وذاك تسقيها حممها ..
قم وانفض عنك الغبار ،و أسعف روحك التواقة للسمو ..كن "فردوسيا " "كوثريا" ،واترك ملاهي الحياة وملاذها للمغضوب عليهم وللضالين ..

 _______________________________________________________

ويوم صنعوا ورودا من لدائن ، كان علينا أن نعلم أن العبق لن يصبح له ثمن..

 ______________________________________________________




 قلت لها : حرري نفسك من ربق العبودية.. لا تجعلي سعادتك مرتبطة بشخص أو بشيء..

أنهيت كلامي ثم رجعت لنفسي أتهمها على تلك المغالطة التي يفتيها علينا أحيانا الإغراق في طلب الحكمة ..
و ما السعادة إن لم تكن ارتباطا بشخص أو بمكان أو بزمان أو بشيء؟
وما الإشراقة إن لم تكن لرؤية خيوط الفجر أو لملمس جورية واستنشاق عبيرها ؟ أو لإبحارة في عيني طفل مواربتين تتلمسان الدفء في عينيك والأمان في أحضانك؟
وما التحليق طربا إن لم يكن في سفر عبر دفتي كتاب أوله كتاب الله؟
و هل لرواية الحياة من مسمى وهي منفصلة عن الزمان والمكان والشخصيات؟
ما السعادة إذن ، وقد جردناها من تفاصيل السعادة؟

................................................................................................................

(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ - إِلَّا اللَّمَمَ - إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ. فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى )النجم)

-
لوما كان لله من صفات سوى الملك والعلم لكانتا كفيلتين بجعلنا نرتدع ونرعوي، فالمالك المتصرف في ملكه أحق بأن يطاع فلا يعصى ويعبد فلا يشرك به ، والعليم المطلع على خبايا عباده الرقيب على سرائرهم أحق بأن يتقى ..لكنه تكالب العاصي الأول والمتفلتة المتقلبة ..
..............................................................................................................

أرج أغصان الحنين ما بين تفاصيل الذكرى و نتوء النسيان .. أهدهدها كما طفل .. كما جدائل الطفلة التي كنتها حينها .. حينما كان للربيع تفاصيل لا يخطئها من يتنفس عبقا و يرتوي من تباتيل الطير ، وطقوسا لا يتقنها إلا من تحلق روحه بحثا عن وجه الصباح في تفاصيل ثمرة توت ..
تهتز الأغصان طربا و معها الذكرى ، تنتفض فتلقي بين كفي عسجدا .. و توتا .

 
 

الأربعاء، 7 مايو، 2014

انحطاط الهمة (1)رسالة إلى كل مصرى غيور: ظاهرة التحرش وماذا حدث للمصريين؟؟....محاولة لتشخيص الداء ووصف الدواء:


(سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)

لا شك أن مصر الحبيبة رأس الأمة الإسلامية، و موضع القلب منها، و للبشرية اليوم بالنسبة لمصر نظرتان متناقضتان ؛ فتهفو نفوس المصلحين دومًا إلى أن يتبوأ هذا القطر مكانته المعهودة ، بينما لا تزال القوى المبغضة لنهضة الأمة من كبوتها تتطلع إلى انحطاط هذا البلد وانهياره، والحق الذى لا ينكره عاقل أن مكانة مصر المعهودة قد تراجعت كثيرا ، ونراها تنحدر إلى هاوية سحيقة لا يعلم غورها إلا الله فنراها فى حالة:
تصم السميع و تعمى البصير ***  و يُسأل من مثلها العافية
ومما يأسى له كل غيور، تفشى ظاهرة ما يسمى بالتحرش الجنسى؛ حتى أضحت مصر ذات مكانة متقدمة فى هذا المجال؛ فقد أثبتت بعض الدراسات أن مصر تحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد أفغانستان فى التحرش الجنسى، و أن حوالى 64%من النساء يتعرضن للتحرش سواء بالفعل أو القول( النهار 4 سبتمبر2013). وهذا الكلام فى ظنى على عينة من المصريات و إن كان هناك تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2013 :أنه فى أكبر بلد عربى من حيث عدد السكان 99.3% من نساء مصر تعرضن للتحرش بأى شكل من الأشكال.
الأمثلة على تفشى تلك الظاهرة لا تحصى؛ فقد تعرضت إحدى طالبات كلية الحقوق في جامعة القاهرة، للتحرش الجماعي في وسط الحرم الجامعي، وحاول المتحرشون تجريد الفتاة من ملابسها والاعتداء عليها، وألقى رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار باللوم على الفتاة، وقال: "إنها دخلت الجامعة بعباءة لتخلعها فيما بعد وتظهر بلباس غير لائق".

تمة.تحرش عدد من الأشخاص بصحفية هولندية في ميدان التحرير فى 30 يونيو، فضلا عما وصلنا إليه من فضائح مع "مدرب الكاراتيه"، ووصولا إلى اغتصاب أب لابنته التى لم تتجاوز الرابعة من عمرها ،و اتهامه لعشيق زوجته بارتكاب الجريمة أى أن الجريمة متشابكة متراكبة،.... الخ تلك المهازل و لا حول و لا قوة إلا بالله.
فماذا حدث للمصريين؟ ومن المسئول عن تلك الظاهرة؟ و لماذا استفحلت عندنا دون غيرنا؟ و لماذا لا نرى تحرشا فى بلاد أوربية هى غاية فى التحرر و كذلك فى دول عربية كالإمارات و البحرين مع ما فيها من تغريب و حرية فى اللباس؟ و لماذا ندرت حالات التحرش  فى العهد الناصرى والذى كان الحجاب فيه قليلا؟ و ازداد التحرش فى عهد السادات مع تنامى صعود التيار الإسلامى و انتشار الحجاب، ومرورا بعهد مبارك واستشرى حتى صار كالوباء بعد الثورة؟؟؟ .
و الحق الذى لا مرية فيه أن التحرش أصبح ظاهرة عالمية ،و ليست محلية فقد أكدت صحيفة نيويورك تايمز أن التحرش في الشوارع هو واقع يومي للنساء في الهند.
 وقالت إميلي مايو المؤسس المشارك بإحدى الجمعيات المناهضة للتحرش ضد المرأة: إن التعرض للمضايقات بالشارع هو جزء من الحياة اليومية للفتيات بنيويورك، وكشفت دراسة مسحية أجريت على المجتمع البريطاني أن 4 سيدات من بين كل 10 سيدات يتعرضن للتحرش الجنسي في الأماكن العامة،و الملاحظ هو تنامى تلك الظاهرة فى بلدان " الربع العربى" مصرو ليبيا و تونس و هو ما يشير إلى ما انحدرنا إليه من فوضى و انفلات.

أقول إن أول ما تشير إليه أصابع الاتهام هو" التربية الخاطئة" الممنهجة - عمدا لا عفوية -و التى قصد  تنشئة الشعب المصرى عليها ،عبر عقود من الحكم المتسلط الذى قدم لرعيته أسوأ قدوة يحتذيها شبيبته ،عبر نهب خيراته، و تسطيح ثقافته و إلهائه بكل ما ينهك طاقته؛ من اللهاث وراء لقمة العيش ،ونشر ثقافة الانتهازية و المحسوبية و منح المكانة و السؤدد لكل من تثبت جدارته فى عالم اللصوصية و الفساد و إقصاء كل مصلح ...الخ مثالب العهود البائدة - لا أرانا الله مثلها.
ففى بلد يزيد تعداده عن تسعين مليونا  ولد ونشأ ما يزيد عن 70% منهم فى عهد مبارك -حسب الإحصائيات - و يعانى ملايين من أبنائه من البطالة و العنوسة(عدد العوانس 8 ملايين أى 40% من مجموع الفتيات فى سن الزواج) 
 وفى بلد لا يتجاوز نصيب البحث العلمى فيها 2,.% من إجمالى موازنة الدولة بينما ينفق بسخاء على أفلام تروج للشذوذ و تربى أجيالنا من العطشى إلى الجنس و المخدرات، وفى بلد كان يصدر العباقرة و الأدباء للدنيا فصار جلّ من يتخرج من جامعاته أقرب للأميين منهم إلى المثقفين، فقد ذكرت بعض الدراسات ان اللغة العربية تنحدر بصورة رهيبة لو استمرت علي حالها فقد تنقرض خلال مئة عام و الله المستعان، وأوضح تقرير التنافسية العالمية لعام «2013 -2014»، الذى يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي سنويا حول أهمية الابتكار وقوة البيئات المؤسسية، أن مصر حلت في المرتبة الأخيرة بين الدول في جودة التعليم الأساسي؛ فليس عجيبا أن نرى  أجيالا تلهث  وراء الشهوات و تستأسرها النزوات.
 إن الشباب و الفراغ و الجدة *** مفسدة للمرء أى مفسدة 
، و رحم الله القائل :نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
 و تبرز لدينا أيضا معضلة الفهم القاصر للتدين على أنه الإكثار من الصلوات والصيام مع إهمال جهاد المرء لنفسه ومع انحطاط أخلاقه و دناءة طبعه، مع أن التقوى الحقة تتجلى ههنا فى صمود المسلم أمام النزوات قال أبو العلاء:
 سبح وصل وطف بمكة زائراً *** سبعين لا سبعاً فلست بناسك
جهل الديانة من إذا عرضت له *** أطماعه، لم يلف بالمتماسك

فالعجب كل العجب من المتدين ذى سىء الخلق وهما ضدان لا يجتمعان و خصمان لا يلتقيان. لشد ما شعرت بالقرف و الاشمئزاز ممن يطلق على نفسه داعية (و هو بالحقيقة مخرف فاسد) ينسب إلى السلفية زورا ؛يبيح القبلات و المشاهد الجنسية فى الأفلام و إلى الله تعالى المشتكى وحده.أما من يدعى زورا أن انتشار الحجاب و التدين منذ عهد السادات تزامن مع الانفلات الخلقى و التحرش فماأبطل كلامه و ما أكذب ادعائه لأن الواضح لكل ذى عين باصرة أن الدنيا قد انفتحت على الناس؛ فصار المرء حرا فى أن يتدين أو ينحرف، فهل البلدان التى لم ينتشر فيها التيار الدينى فى ذاك الوقت كانت (يوتوبيا) أومدينة فاضلة؟ لا يجسر إنسان أن يدعى هذا، فالمشاهد فى بلاد الغرب أن الزنا(وبالأخص زنا المحارم) و الشذوذ و الدعارة أضعاف ما لدينا نحن المسلمين.

أمن العقوبة سبيل إلى انفلات الأخلاق :

ليت شعرى هل كل الناس ملائكة أو أشباه ملائكة يتمثلون بقول الشاعر الأصيل:
وأغض طرفي مابدت لي جارتي .. حتى يواري جارتي مأواها
لقد جعل ربنا - جل وعلا - الحدود و العقوبات زواجر و روادع، لكل من تسول له نفسه الاعتداء على حقوق الآخرين، فقامت الشريعة الغراء على حفظ الكليات الخمس: النفس و العقل و المال و الدين و النسل(العرض) ؛ولأن النفوس ضعيفة و قليل من بنى آدم من ينصب من نفسه  لنفسه واعظا  فيزجرها عما حرم الله ،فلكل ما سبق كان لابد من عقوبة زاجرة لمن تسول له نفسه اقتراف المحارم فيما يخص الآخرين قال سيدنا عثمان : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.و قالوا : من أمن العقوبة أساء الأدب ، ولأن الحرية المطلقة = مفسدة مطلقة ،فهذا ما يفسر لنا لماذا تندر حالات التحرش و التعدى على الحرمات فى وسط الحمآت الآسنة من المجتمعات التى تغرق فى الدعارة و حرية الملبس، لأن العقوبات صارمة وجد مؤلمة ؛عندما لا يردع الإنسان ضميره ودينه حتما يرعوى خوف العقاب :إذا تلفظ بعبارة خارجة أو خالف تعليمات المرور ،إذا ألقى القمامة فى غير موضع رميها تنتظره عقوبة مالية فادحة أو بدنية قاسية ، وهذا ما أحسد عليه بلادا مثل السعودية و الإمارات و قطر .

روشتة العلاج:

وكما شخصنا الداء فلابد من وصف الدواء، ولعمر الله ليس لهذه الأمة من صلاح إلا بعودتها للمنهج الذى كرمها به رب البرية، و لا تزال عنه فى إعراض :الإيمان أولا بالتنشئة القويمة للغرس الطيب الذى نأمل ان يكون على يديه نهضة مصرنا الحبيبة
ها هو الصحابي الجليل جندب بن عبد الله يصف الطريقة التي رباهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاير - أي في قمة الفتوة- فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً.نعم الإيمان الذى يتعمق فى القلوب فيسارع الفتى إلى غض بصره ،و إلى أداء الأمانة ،و إلى فعل الخيرات ،على تنوع وجوهها، وترك المنكرات و إن كانت مغرية أيّ إغراء .
فإذا فشلت التربية مع فئة - وهذا متحقق الوقوع - فى كل زمن و كل موطن بلاشك، فلا مناص من قوانين صارمة تزجر كل منحرف، و لا أرى للبشر مصلحا خيرا من قوانين رب البشرالذى خلقهم وهو أعلم بما يصلحهم يقينا، و التى يسخر منها دعاة العلمانية المتطرفة لدينا، على حين امتدحها أكابر المشرعين الغربيين فى تفردها و تميزها عن القوانين الرومانية و اليونانية؛ فقدأكد برنارد شو أن قلب التوجه العالمي سينتقل في القرون المقبلة من الغرب إلى الشرق، وأكد أن الشريعة الإسلامية ستصبح المدونة الوحيدة للحياة قادرة على تجديد وجهة وضبط حياة الإنسان على الأرض في أي مسار مستقبلي.
 و قد  أعدت دراسات في الفقه المقارن تحلل  أثر الفقه المالكي في بعض التشريعات الأجنبية خاصة مدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون وقد اقتبس الكثير من فقه الإمام مالك رحمه الله خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات .
الله تعالى أسأل أن يبصرنا بعيوبنا ،و أن يهييء لهذه الأمة من يصلح الله على يديه أمر دينها و دنياها، إنه خير مسئول و مأمول.