إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 29 نوفمبر 2013

فن التطنيش لمن أراد أن يعيش

د. عائض القرني 
قال أحد الصالحين رضي الله عنه: طنش تعش تنتعش، ومعنى ذلك أن لا تبالي بالحوادث والمنغصات، وقد سبق إلى ذلك زميلي وصديقي الدكتور أبو الطيب المتنبي، حيث يقول:
 فعشت ولا أبالي بالرزايا       لأني ما انتفعت بأن أبالي
وأنت إذا ذهبت تدقق خلف كل جملة وتبحث عن كل مقولة قيلت فيك وتحاسب كل من أساء إليك، وترد على كل من هجاك، وتنتقم من كل مَنْ عاداك، فأحسن الله عزاءك في صحتك وراحتك ونومك ودينك واستقرار نفسك وهدوء بالك، وسوف تعيش ممزقاً قلقاً مكدراً، كاسف البال منغص العيش، كئيب المنظر سيئ الحال، عليك باستخدام منهج التطنيش، إذا تذكرت مآسي الماضي فطنش، إذا طرقت سمعك كلمة نابية فطنش، وإذا أساء لك مسيء فاعف وطنش، وإذا فاتك حظ من حظوظ الدنيا فطنش، لأن الحياة قصيرة لا تحتمل التنقير والتدقيق، بل عليك بمنهج القرآن: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).
سبّ رجل أبا بكر الصديق فقال أبو بكر: سبُّك يدخل معك قبرك ولن يدخل قبري، الفعل القبيح والكلام السيئ والتصرف الدنيء يُدفن مع صاحبه في أكفانه ويرافقه في قبره ولن يُدفن معك ولن يدخل معك، قال العلامة عبد الرحمن بن سعدي: وأعلم أن الكلام الخبيث السيئ القبيح الذي قيل فيك يضر صاحبه ولن يضرك، فعليك أن تأخذ الأمور بهدوء وسهولة واطمئنان ولا تُقِم حروباً ضارية في نفسك فتخرج بالضغط والسكري وقرحة المعدة والجلطة ونزيف الدماء، لقد علمتنا الشريعة الإسلامية أن نواجه أهل الشر والمكروه والعدوان بالعفو بالتسامح والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، والهجر الجميل الذي لا أذى فيه، والصفح الجميل الذي لا عتب فيه، إذا مررت بكلب ينبح فقل: سلاما، وإذا رماك شرير مارد بحجر فكن كالنخلة ارمه بتمرها، إن أفضل حل للمشكلة أن تنهيها من أول الطريق، لا تصعّد مع من أراد التصعيد، انزع الفتيل تخمد الفتنة، صب على النار ماءً لا زيتاً لتنطفئ من أول وهلة، ادفع بالتي هي أحسن وتصرف بالأجمل وأعمل الأفضل وسوف تكون النتيجة محسومة لصالحك؛ لأن الله مع الصابرين ويحب العافين عن الناس وينصر المظلومين، إننا إذا فتحنا سجل المشكلات وديوان الأزمات ودفتر العداوات فسوف نحكم على أنفسنا بالإعدام، انغمس في عمل مثمر مفيد يشغلك عن الترهات والسفاهات والحماقات، إذا رفع سفيهٌ صوته بشتمك فقل له: سلام عليكم ما عندنا وقت، إذا نقل لك غبي تافه كلاماً قبيحاً من عدو فقل له: سلام عليكم ما سمعنا شيئاً، إذا تذكرت أنه ينقصك مال أو عندك أزمة أو عليك دين فتذكر النعم العظيمة والكنوز الكبيرة التي عندك من فضل الله من سمعٍ وبصر وفؤاد وعافية وستر وأمن ودين وذرية وغير ذلك لتجد أن الكفة تميل لصالحك، وأن المؤشر الأخضر يبشرك أن النتيجة تدل على أرباحك ونجاحك وفوزك، أفضل رد على النقّاد والحسّاد هي الأعمال الجليلة والصفات النبيلة والأخلاق الجميلة، أما المهاترات والسباب فهذا شأن كلاب الحارة، والله يقول في وصف النبلاء الأبرار: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، ونعود إلى آية الله أبا الطيب المتنبي ليقول لنا : لو كل كلب عوى ألقمته حجراً*** لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ
 فلو ذهبنا نرمي الكلاب إذا نبحتنا بحجارة فسوف يرتفع سعر الحجارة ولا نستطيع شراءها، ويقول الشاعر سعد بن جدلان رضي الله عنه (بالشعبي): وأنت لو حصّلت لك في الزمن وجهٍ غريبْ مثلْ ما قال المثل: دام تمشي مشّها.
جريدة الشرق الأوسط.

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

أخلاق المصريين ........أدب الخلاف (ألا يستقيم أن نكون إخوانا و إن لم نتفق فى مسألة ؟)

(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)
لا شك أن الخلاف فى الآراء و المذاهب سنة من سنن الله فى خلقه ، و لا يشين الأمة أن تطرح شؤونها على الجميع ، لمناقشتها و إثراء الرأى العام، بيد أنا لم نعتد على الحوار الراقى الذى يحترم فيه كل محاور مخالفيه ،مهما كان البون شاسعا فى آراء المتحاورين، و لا شك أن عقودا من التربية الخاطئة على أيدى أنظمة متسلطة لا تمنح مخالفيها مساحة للحوار أصلا، و لا تنصت لآراء مخالفيها ؛قد أسهمت بأوفر نصيب فى عدم ترسيخ ثقافة الحوار ،و تقبل المخالف، و هو ما آل بنا إلى ما نراه من تفرق وتحارب بين طوائف الأمة، و إن شئت فانظر إلى عينات بسيطة مما سطره أبناء الوطن و الدين الواحد على مواقع التواصل عن مخاففيهم، من بذاءة و إسفاف فى مستوى الحوار ،فسب و شتيمة ثم شماتة ،و انتهاءا بالابتهاج بقتل شباب من خيرة أبناء الأمة و مثقفيها ،و حقد لا يصح أبدا أن يصدر من مسلم على مسلم و هذه أمثلة بسيطةلأشخاص معروفين و غير معروفين.
( امبارح فى اشتباكات الإخوان كانوا بيتقتلوا قدام عينى أول مرة أبقى فرحان كدة أيوة كنت بموت من الفرحة أنا بشوف دمهم بيسيل عالأرض لأنهم كلاب) - مع الاعتذار للكتابة بالعامية-

 و كتبت نوال السعداوى :
سيذكر التاريخ للفريق السيسى انه قضى على خرافات
إقامة المشروع الإسلامى فى

 30/6. ولم يتبق له سوى خطوة واحده وهى إبادة المخلوقات المتواجدة فى رابعة والنهضة.
و هذا  مفتي مصر السابق الدكتور علي جمعة، الذي أكد أمام جمع من القيادات العسكرية والأمنية بحضور وزير الدفاع المصري، أن الرسول يؤيد السيسي ورجاله في سعيهم للتخلص من الإخوان بالقوة.

ووجه كلامه قائلاً :"أنتم مؤيدون من الرسول بحسب تواتر الرؤية، اضرب في المليان إياك أن  تضحى بجنودك من أجل هؤلاء الخوارج".

مستدلا لذلك بآيات قرآنية وأحاديث شريفة ،كقوله "طوبى لمن قتلوه أو قتلهم"، مؤكّدا أنّ من قتلهم كان أقرب إلى الله حسبه منهم، داعيا رجال الأمن ومختلف الأطياف المؤيّدة للإنقلاب إلى ما سمّاه "تطهيرا لمصر" ممن وصمهم بـ"الأوباش ذلك أنّنا نصاب بالعار منهم" ، ليس ذلك فحسب، بل لابد أن يتبرّأ منهم - أي أنصار الشرعية - براءة الذئب من دم يعقوب ثم يشتمهم بأنّهم "ناس نتنة وريحتهم وحشة في الظاهر والباطن".
و قالت المذيعة لميس الحديدى عن الذين قتلوا من الأبرياء، ممن خرجوا يوم السادس من أكتوبر: "خسرونا إيه امبارح غير تمن الرصاصة اللى اتصرفت عليهم"!!!!
ووصل الغلو فى أتباع السيسى إلى غايته كقول إحدى الصحفيات(غادة شريف) للسيسى :

يا سيسى.. إنت تغمز بعينك بس!هذا رجل يعشقه المصريون !.. ولو عايز يقفِل الأربع زوجات، إحنا تحت الطلب.. ولو عايزنا ملك اليمين، ما نغلاش عليه والله!

 المغنية بوسي : "لو كان فيه انتخابات للاله اللي هبده كنت هختار السيسي واللي قال ان سيدنا محمد أشرف الخلق كان غلطان لأنه ماشفش الفريق عبد الفتاح السيسي ..!!ورغم ردود الأفعال المستنكرة لتصريحها الأخيرو التى مازالت متواصلة فإنها تجاوزت كل الأعراف حين تلاعبت بالقرآن ،وتجرأت على كتاب الله بشكل مفزع : “إلي جميع مؤيدي الإخوان ربنا نفسه بيقول إن مرسي مش هيرجع الحكم تاني فبلاش تعيشوا في الأحلام ، بسم الله الرحمن الرحيم ” قل إن إجتمعت الإنس والجن علي أن يرجعوا محمد مرسي للحكم لا يستطيعون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا” صدق الله العظيم” ... .إلى آخر هذه الترهات عياذا بالله من الخذلان. و على الجانب الآخر يحزننى كثيراً خطاب التيارالإسلامى بالبدائية و السطحية و الاندفاع ،بل و التكفير أحيانا كإطلاق مسميات " بابا الأزهر" على شيخ الأزهر لموقفه المؤيد للانقلاب ،و كالسب الذى نال على جمعة من طلاب دار العلوم ،و خروجه من غير إكمال مناقشة إحدى الرسائل.

إخوانى " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ "، قد خالفت قريش نبيها و آذته و عذبته، فما كان من شأنه معهم البذاءة، و لا التحقير بل كان - صلى الله عليه و سلم- حريصا أيما حرص على هؤلاء القوم من النار، و الأخذ بأيديهم إلى الخير.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
( لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا ، وَلَا فَحَّاشًا ، وَلَا لَعَّانًا ، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ - أي عند العتاب - : مَا لَهُ ! تَرِبَ جَبِينُهُ ) رواه البخاري
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :
( قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) رواه مسلم.
و هؤلاء صحابته الكرام اختلفوا فى مسائل كثيرة، فلم يتفاحشوا و لم يلعن بعضهم بعضا، اختلف سيدنا على و سيدنا معاوية و مع ذلكوصف معاوية عليا رضي الله عنه  بالليث وبالضرغام وبأسد الحروب، وبأنه مقرئ الضيوف وكان يستفتيه؛
  فيرسل إليه في المدينة في فتاوى القوم، وفي المسائل التي تستشكل عليهم.
و قد يختلفون فى الرأى و مع ذلك ينزل أحدهما على رأى  أخيه تواضعا و تأليفا  للقلوب ،و كرها للتفرق،هذا ابن مسعود خالف عثمان فى إتمام الصلاة فى السفر للحج ، و لكنه لم يقصر و أتم صلاته معه قائلا : الخلاف شر.
و اختلف ابن مسعود و عمر فى حوالى مئة مسألة ،و مع ذلك قال عمر عن ابن مسعود: كنيف ملء علما آثرت به أهل القادسية. و قال ابن مسعود عن عمر : كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه و لا يخرجون، فلما أصيب عمر انثلم الحصن.
كان سلفنا الصالح أسوة فى التآخى، يسارع أحدهم إلى الترحاب بأخيه الذى اختلف معه و جادله، دونما تعصب أو ضغينة، فليست الضغائن من سمات المؤمنين؛ ألم يخبر نبينا الكريم عن رجل من أهل الجنة  حين قال: ((يدخل من هذا الباب عليكم رجل من أهل الجنة))قال عبد الله بن عمرو بن العاص: فقلت في نفسي: والله لأختبرن عمل ذلك الإنسان ، فعسى أن أوفّق لعمل مثل عمله، فأنال هذا الفضل العظيم أن النبي أخبرنا أنه من أهل الجنة في أيامٍ ثلاثة، فأتى إليه عبد الله بن عمرو فقال: يا عم، إني لاحيت أبي – أي خاصمت أبي – فأردت أن أبيت ثلاث ليال عندك، آليت على نفسي أن لا أبيت عنده، فإن أذنت لي أن أبيت عندك تلك الليالي فافعل، قال: لا بأس، قال عبد الله: فبت عنده ثلاث ليال، والله ما رأيت كثير صلاةٍ ولا قراءة، ولكنه إذا انقلب على فراشه من جنب إلى جنب ذكر الله، فإذا أذن الصبح قام فصلى، فلما مضت الأيام الثلاثة قلت: يا عم، والله ما بيني وبين أبي من خصومة، ولكن رسول الله ذكرك في أيامٍ ثلاثة أنك من أهل الجنة، فما رأيت مزيد عمل!! قال: هو يا ابن أخي ما رأيت، قال: فلما انصرفت دعاني فقال: غير أني أبيت ليس في قلبي غش على مسلم ولا أحسد أحداً من المسلمين على خير ساقه الله إليه، قال له عبد الله بن عمرو: تلك التي بلغت بك ما بلغت، وتلك التي نعجز عنها[أخرجه عبد الرزاق عن أنس، وعنه الإمام أحمد ، وهذا سند صحيح على شرط الشيخين].
 و هذا الإمام الشافعى اختلف مع الإمام يونس بن عبد الأعلى، و قامت بينهما مناظرة ،و مع ذلك يقول يونس عن الشافعى : ما رأيت أعقل من الشافعى؛ ناظرته يوما فى مسألة ثم افترقنا، و لقيته فأخذ بيدى ثم قال:ياأبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا و إن لم نتفق فى مسألة ؟

ما زرعه الحاقدون و الكارهون من فرقة و استقطاب  بين شركاء هذا البلد العظيم، المهيأ لقيادة الأمة الإسلامية بأسرها، إنما لخوفهم أن تتبوأ مصر مكانتها، فتتأسى بها بقية الأمة، و هذا أمر يعز تحقيقه و هى محصورة من داخلها و خارجها و عن يمينها و شمالها بهذه المكائد و تلك الدسائس و الله المستعان.،
لا يفتأ المرجفون يثيرون فينا دعاوى التمزق و الجاهلية و لعمر الله لم تنهض أمة أو يبدع أبناؤها دون توحيد للكلمة  {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} قال ابن كثير : "وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلاً من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلاً معه، وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعاره، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: ((أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟))، وتلا عليهم هذه الآية؛ فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح - رضي الله عنهم - قد هان الدم المصرى بين أبناء الوطن الواحد يقتل المجند أخاه كما يصطاد العصافير بل ربما سحله وأو مثل بجثته و شاهدنا اليوم
مدرعة تخترق مسيرة رافضة للإنقلاب بسرعة عالية.. و هناك أنباء عن دهس متظاهرين و إلى الله المشتكى.

و السر هو الفتاوى الضالة لعلماء السوء ،و غسيل المخ الذى يجريه لهم قادتهم و كبراؤهم، تساندهم فى ذلك آلة إعلامية إما مأجورة أو أصحاب مصالح 
محبين للفساد و الفاسدين، قد سحروا البسطاء و كأنما أناموهم مغناطيسياً ،  الخطة المدبرة منذ صعود الرئيس المنتخب  - على غير هوى العسكر و أصحاب المصالح- و التى ظلوا يحبكونها ،و ينسجون خيوط مؤامرتهم طيلة عام كامل ،حتى حانت اللحظة الملائمة ،و لا أستغرب أن يقودنا السيناريو إلى ترشح زعيم الانقلاب الذى يحاول أن تكون له  كاريزما شبيهة بعبد الناصر فى زمانه ، فليس عجبا أن يؤيده الناصرى المدعو
مصطفى ﺑﻜﺮﻱقائلا : ﺃﺻﻤﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺷﺢ ﺍﻟﺴﻴﺴﻲ ﻟﻼ‌ﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﺃﺿﺮﺏ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ،



هكذاصار الدم المصرى باردا يباع لأجل الكراسى ،و قد قامت الدنيا و لم تقعد حينما سحل مواطن أيام مرسى و لكنه الهوى و حب الدنيا الذى أذل أعناق الرجال.
 و عين الرضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تبدى المساويا
 و قال آخر:
مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً   فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما  غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا   وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ
أقول لإخوانى و أهلى لكل مواطن حر شريف ،و لكل شرفاء الجيش و الشرطة، اتقوا الله فى أنفسكم و أهليكم ،و اخشوا يوما تشخص فيه الأبصار ،و يتعلق المقتول بالقاتل يطلب القصاص من الملك العادل ،و حينها لن تنفعكم فتاوى المضلين، و لا أموال الفاسدين (( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ ))بخارى و مسلم وغيرهما
 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ صلى الله عليه و سلم : " يَأْتِي الْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ ، تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا ، حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْعَرْشِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، سَلْ هَذَا فِيمَا قَتَلَنِي "
، وعن معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : سمعته يخطب - يقول : (( كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً ))
حديث صحيح - (النسائي في المجتبى )
أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ وَلا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ
إِلى الديّانِ يَومُ الدينِ نَمضي  وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصومُ
سَتَعلَمُ في الحِسابِ إِذا الِتَقَينا    غَداً عِندَ المَليكِ مَنِ الغَشومُ
تَنامُ وَلَم تَنَم عَنكَ المَنايا  تَنبَّه لِلمَنِّيَةِ يا نُؤومُ
لا زلت أحلم بيوم تتوحد فيه أمة القرآن حينما يتربى أبناؤها على آداب القرآن و يتغذون بلبان سنة نبيهم الكريم أسأل الله أن يقر أعيننا بذلك اليوم، إنه خير مسؤول و أكرم مأمول.     

الخميس، 3 أكتوبر 2013

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

الحَمْدُ للهِ لا يُحْصَى لَهُ عَدَدُ***     ولا يُحِيْطُ بِهِ الأَقْلامُ والمُدَدُ
حَمْدَاً لِرَبِّي كَثيراً دَائماً أبَدَاً***   في السِّرِّ والْجَهْرِ في الدَّارَيْنِ مُسْتَرَدُ
مِلْءَ السَّمواتِ وَالأَرْضِيْنَ أَجْمَعِهَا*** وَمِلْءَ مَا شَاءَ بَعْدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى خَيْرِ الأَنَامِ رَسُولِ**** اللهِ أَحْمَدَ مَعْ صَحْبٍ بِهِ سَعِدوا
وأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيْ وَالآلِ قاطِبَةً*****  وَالتَّابعينَ الأُلَى للدِّيْنِ هُمْ عَضُدُ
وَالرُّسْلِ أجْمَعِهِمْ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُم**** من دُوْنِ أَنْ يَعْدِلوا عَمَّا إليهِ هُدُوا
أَزْكَى صَلاةٍ مَعَ التّسْليْمِ دَائِمَةً***    مَا إِنْ لَهَا أَبَدَاً حَدٌّ وَلاَ أَمَدُ

وَبَعْدُ 


جاء في إنباء الرواة في ترجمة أبي نصر القرطبي قال:
كنا نختلف إلى أبي علي القالي رحمه الله وقت إملائه النوادر في جامع الزهراء بـ قرطبة ونحن في فصل الربيع، قال: فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة،فما وصلت إلى مجلس أبي علي إلا وقد ابتلت ثيابي كلها،وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة ،
فلما رآني مبتلاً بالماء  أمرني بالدنو منه،
وقال لي:
مهلاً يا أبا نصر ! لا تأسف، ولا تأس، ولا تحزن على ما عرض لك؛
فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة، بثياب تبدِّلها بغير ثيابك،
لكن اسمع
-يريد أن يعزيه وأن يسليه على ما أصابه-
قد عرض لي -يقول أبو علي عن نفسه- ما أبقى في جسمي ندوباً وجروحاً تدخل معي القبر، لقد كنت أختلف في الطلب؛ يعني في طلب العلم إلى ابن مجاهد رحمة الله عليه فذهبت إليه آخر الليل قبل طلوع الفجر؛ لأقترب منه لأستفيد، فلما انتهيت إلى الطريق الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقاً، قال :

 وعسر عليَّ فتحه،
فقلت:
سبحان الله!
أبكِّر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه، والله لا يكون ذلك، فنظرت إلى سَرَبٍ بجانب الدار ضيق فاقتحمته، فلما توسطته ضاق بي ذلك السرب وذلك النفق، فلم أقدر على الخروج منه، ولم أستطع النهوض،
قال:
فاقتحمته بشدة حتى خرجت بعد أن تخرقت ثيابي، وأثَّر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومنَّ الله علي بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على حالتي هذه، فأين أنت مما عرض لي؟
ثم أنشد يقول:

دببتُ للمجدِ والسَّاعينَ قدْ بَلَغُوا    جُهدَ النُّفوسِ وألقَوا دُونَهُ الأزرَا
وكابدوا المجدَ حتَّى ملَّ أكثرُهُم    وعانَقَ المجدَ مَنْ أوْفَى ومَنْ صبرَا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله    لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

قال أبو نصر :
فسلاني ما حكاه،
وهان عندي ما عرض لي من بلل للثياب بجانب ما أصابه،
فلازمته حتى مات، فرحمة الله على الجميع.
هم أسلافنا، وندعي الصلة بهم، فهل مجالسنا مجالسهم، وهممنا هممهم؟

لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجالسُ أوجُهاً غيرَ الذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِهَا
ورأيتُها محفوفةً بِسِوَى الأُلَى كَانُوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفَنَائِها
أنشدتُ بيتاً ثائراً متقدماً والعينُ قدْ شرَقَت بجَارِي مائِها
أما الخيامُ فإنَّها كخيامهِم وأَرَى نِساءَ الحَيِّ غيرَ نِسَائِها
يا حسرةً من لي بصفقةِ رابح فِي مَتْجَرٍ والعِلْمُ رأسُ المالِ
يا ويح أهل العلمِ كيفَ تأخَّرُوا والسَّبْقُ كُلُّ السَّبْقِ للجُهَّالِ
فإِلَى إلهِي المُشْتَكَى وبفضلِهِ دونَ الأنامِ منوطة آمَالِي

لله هذه المواقف ما أبلغها!
وما أعلى على هام الثُّريَّا مواضعها! وهكذا فليكن الطلب وإلا فلا.

 إن هذه الصفحة - أعني الماضية-
لتذكِّر بموقف آخر لـ ابن برهان ؛ كما جاء في طبقات الشافعية يوم تزاحم الطلاب على بابه حتى صار جميع نهاره، وقطعة من ليله مستوعباً في التدريس، يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة، ويتأخر أحياناً بعدها إذا دعت الحاجة لذلك.

ذكر أن مجموعة من طلبة العلم سألوه أن يدرس لهم كتاباً فقال:
لا أجد لكم وقتاً، فذكروا أوقاتاً معينة فلم يجد إلا في نصف الليل فوافقوا.

 وانظر يا أخي كيف نظم أوقاته للعبادة والطاعة والمنام والمطالعة والحفظ والتدريس والقراءة وهذا شيء مهم جداً يتمكن به العالم وطالب العلم من بلوغ مرغوباته العلمية جميعاً، فلا يطغى مرغوب على مرغوب.
 ثم انظر أخي طالب العلم -رعاك الله- إلى هذا الصبر العجيب من هذا الشيخ الجليل على بث العلم ونشره، والاحتساب في أدائه ونقله، ثم انظر أخرى إلى هذا الشوق والحرص المحرق من أولئك الطلبة المحترقين بالعلم الذين لم يجدوا وقتاً ليقرءوا عليه إلا نصف الليل، فأتوا مسرورين وظنوا أنهم محظوظون مكرمون.
ثم انظر لذلك الذي نسي بدنه واقتحم السرب وخرج اللحم عن العظم ليحظى بالقرب من العالم ليستفيد فلله در أولئك المشائخ! ولله در أولئك الآباء والطلبة الأبناء! ما أشد حب أولئك للطلب! وما أصبر أولئك على إشاعة العلم وإيصاله للمتعلمين! أداءً للأمانة ووفاءً بالعهد، وإنا لله من طلبة هذا العصر الذين يستعجلون دق الجرس ليخرجوا من الدرس المؤقت بخمس وأربعين دقيقة، في ألين الأوقات راحة، وأفضلها نشاطاً، وأجمعها ذهناً، من قاعات مبردة صيفاً مدفأة شتاءً، يخرجون يزحم بعضهم بعضاً كأنما يفرون من حريق، أو ينطلقون من سجن ظالم عنيد واهً لهم .


إذا مَا علا المرء رَامَ العُلى ويقنَعُ بالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
إذَا رأيْتَ شبابَ الحيِّ قَدْ نشئوا     لا ينقلونَ مِدَادَ الحِبْرِ والوَرَقِا
وَلا تَرَاهُم لَدَى الأشْيَاخِ في حِلَق    يَعُونَ مِنْ صَالحِ الأخبارِ مَا اتَّسَقَا
فذَرْهُم عنكَ واعْلَم أنَّهُم هَمَجٌ        قد بَدَّلُوا بِعُلُوِّ الهِمَّةِ الخَرَقَا

 على المرءِ أنْ يَسعَى إلَى الخيرِ جاهداً وليسَ علَيْهِ أن تَتِمَّ المَقاصِدُ،فانْفُضُوا النومَ وهُبُّوا للعُلى  فالعلى وقْفٌ علَى منْ لَمْ يَنَم..
أفيقوا لا مجال لخامل ولا سبْقَ إلا للذي يتَقَحَمُ.
منقول من

صفحات مطوية للشيخ علي القرني

الخميس، 30 مايو 2013

ظلال الهجير (6)

** كتب رجل لحكيم يقول:

لم تبخل على الناس بالكلام؟

فقال الحكيم: إن الخالق سبحانه وتعالى قد خلق لك أذنين ولساناً واحداً لتسمع أكثر مما تقول, لا تقول أكثر مما تسمع.

************************************************************
طرفة: -
 قال الأصمعي: حدثني أبي قال: أتى عبد الملك بن مروان برجل مع بعض من خرج عليه فقال: اضربوا عنقه فقال:

ياأمير المؤمنين ماهذا جزائي منك قال: وماجزاؤك قال:

والله ماخرجت مع فلان إلا بالتطير لك( أى خشية أن يصيبك شؤمى ) وذلك إني رجل مشؤم ماكنت مع رجل قط إلا غلب وهزم, وقد بان لك صحة ماأدعيت به وكنت عليك خيراً لك من مائة ألف معك فضحك منه وخلى سبيله.
------------------------
مع التحفظ على التشاؤم فليس من الإسلام فى شىء.

*******************************************************
 قال ابن أبي الحواري رحمه الله تعالى سُئل أبو سليمان الداراني رحمه الله وأنا حاضر: ما أقرب ما يتقرب به إلى الله عز و جل؟ فبكى ثم قال:
مثلي يُسأل عن هذا!أقربُ ما يُتَقَرَّب بِهِ إليْهِ أن يَطّلِعَ على قلبك وأنت لا تُريد من الدّنيا والآخرة إلا هُوَ.

*********************************************************
طالب العلم
أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء و حرص و افتقار و غربة *** و تلقين أستاذ و طول زمان

**********************************************************
( و رحمتى و سعت كل شىء )
  المُحدّث أبو اسحاق الحويني رحمه الله تعالى

يُكلّمُ رجلاً زنى مدّة عشرين سنة, وهو خائفٌ قلق..ماذا يُفعَلُ به...هل يَغفرُ الله لي؟ عشرون سنة وأنا أتقلّبُ في الزّنا...هل لي من توبة؟
فقال له الشيخ أبو اسحاق:

"ليس هناك ذنبٌ يتعاظم على رحمة الله عز وجل, ذنبك مهما تعاظم فهو شيء ورحمة الله وسعت كلّ شيء"

****************************************************************
 
يقول العقاد : ليس أضنى لفؤادي : من عجوز تتصابى ، ودميم يتحالى ، وعليم يتغابى ، وجهول يملأ الأرض سؤالا وجوابا.

*****************************************************************
من أجمل الشعر :

عيون عن السحر المبين تبين * لها عند تحريك الجفون سكون ..

إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى * تقول له كن مغرما فيكون ..

الخميس، 9 مايو 2013

كيف تمكن النصيريون من حكم سوريا؟! - العزاوية مديرة منتديات شقائق النعمان





نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِيْنَ؛ خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَحْصَاهُمْ عَدَدَاً، وَكُلُّهُمْ آتِيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدَاً، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى، وَنَشْكُرُهُ عَلَى إِحْسَانٍ لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى؛ خَلَقْنَا وَلَمْ نَكُ شَيْئَاً، وَهَدَانَا وَلَوْلَاهُ مَا اهْتَدَيْنَا، أَطْعَمَنَا مِنْ جُوْعٍ، وَآَمَنَنَا مِنْ خَوْفٍ، وَكَسَانَا مِنَ عُرْيٍ، وَأَعْطَانَا مَا سَأَلْنَا وَمَا لَمْ نَسْأَلْ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْمَدَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ؛ جَعَلَ الِاخْتِلَافَ فِي الْبَشَرِ مِنْ سُنَنِ خَلْقِهِ؛ ابْتِلَاءً لِعِبَادِهِ ﴿هُوَ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ﴾ [التَّغَابُنِ: 2].
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ؛ لَا خَيْرَ إِلَّا دَلَّنَا عَلَيْهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَنَا مِنْهُ، تَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيْغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ، وَالْزَمُوا شَرِيْعَتَهُ، وَأَيْقِنُوا بِوَعْدِهِ، وَثِقُوا بِنَصْرِهِ ﴿وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الْرُّوْمُ: 47] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِيْنَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُوْرُوْنَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الْصَّفَاتِ: 171-173].
أَيُّهَا النَّاسُ: لِلْنِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِيْنَ أَثَرٌ كَبِيْرٌ فِي الصَدِ عَنْ دِيَنِ الله تعالى، وَأَذِيَّةِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَالْغَدْرِ بِهِمْ، وَإِظْهَارِ الْوَلَاءِ لَهُمْ، وَإِبْطَانِ عَدَاوَاتِهِمْ، حَتَّىَ حَذَّرَ اللهُ تعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ مُخَاطِبَاً إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ سبحانه: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُوْنَ﴾ [الْمُنَافِقُوْنَ: 4].
وَالْنِّفَاقُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَهَرَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ كَمَا فِيْ حَدِيْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: "فَلَمَّا غَزَا رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم بَدْرَاً، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ صَنَادِيْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُوْلَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايعُوا الْرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإِسْلامِ فَأَسْلَمُوا" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
أَيُّ: إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا إِسْلَامَهُمْ وَأَبْطَنُوا كُفْرَهُمْ، وَمِنْ يَوْمِهَا وَالْمُنَافِقُوْنَ يَكِيْدُوْنَ لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ كَيْدٍ وَأَشَدَّهُ، وَغَايَةُ هَذَا النَّوعِ مِنَ الْنِّفَاقِ هَدْمُ الإِسْلَامِ لِمَا يُعَارِضُهُ مِنْ أَهْوَائِهِمْ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمُنَافِقِيْنَ ابْنَ سَلُوْلَ فَقَدَ زَعَامَتَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ، فَاضْمَرَ الحِقْدَ وَالانْتِقَامَ مِنْهُ وَمِمَّنْ دَعَا إِلَيهِ.
وَفِي عَهْدِ الخَلِيفَةِ عُثْمَانَ رضي الله عنه نَجَمَ نَوْعٌ آَخَرُ مِنَ النِّفَاقِ يَهْدِفُ إِلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ مِنْ دَاخِلِهِ، وَإِحْلَالِ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ مَكَانَهُ جَمَعُوْهَا مِنَ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ وَالْمَجُوْسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْيَهُوْدِيَّةِ وَالْنَّصْرَانِيَّةِ، وَسَرْبَلُوْهَا بِحُبِّ آَلِ البَيْتِ؛ لِئَلَّا تُكْشَفَ، وَأَخَذُوا مِنَ الإِسْلَامِ بَعْضَ شَعَائِرِهِ لِإِيْهَامِ الْنَّاسِ أَنَّهُمْ مُسْلِمُوْنَ، وَهُوَ النِّفَاقُ الَّذِيْ أَحْدَثَهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ الله بْنُ سَبَأٍ الْيَهُوْدِيُّ، وَمَنْ أَفْكَارِهِ نَشَأَ المَذْهَبُ البَاطِنِيُّ وَتَشَظَّى إِلَى فِرَقٍ كَثِيْرَةٍ مِنْ أَشْهَرِهَا الْإِمَامِيَّةُ وَالْإِسِمَاعِلِّيَّةُ وَالنُصَيرِيَّةُ وَالْدُرْزِيَّةُ وَغَيْرُهَا.
وَمِنْ أَكْثَرِهَا غُمُوضَاً وَبَاطِنِيَّةً، وَانْحِرَافًا عَنِ الْمِلَّةِ الْحَنِيْفِيَّةِ، وَأَشَدِّهَا حِقْدَاً عَلَىَ الأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ: طَائِفَةُ النُصَيرِيَّةِ، وَسُمِّيَتْ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِالْطَّائِفَةِ العَلْوِيَّةُ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْفَرَنْسِيِّينَ هُمْ الَّذِيْنَ أَطْلَقُوا عَلَيهَا هَذَا الِاسْمَ حَتَّى عُرِفُوا بِهِ. وَهِيَ فِي الْأَصْلِ فِرْقَةٌ ظَهَرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيرٍ البَصْرِيِّ الَّذِيْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَغْلا فِي أَئِمَّةِ الشِّيعَةِ فَنَسَبَهُمْ إِلَى مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ، وَانْتَشَرَتْ مَقُولاتُهُ فِي الْشَّامِ، وَتَكَاثَرَ أَتْبَاعُهُ، وَزَادَ المُتَنَفِذُونَ فِي مَذْهَبِهِ مِنَ الشَّعَائِرِ وَالِاعْتِقَادَاتِ مَا كَوَّنُوا بِهِ دَيْنَاً غَيرَ دِينِ الإِسْلَامِ، وَأَتْبَاعُهُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ عَلَيَّاً خَلَقَ مُحَمَّدَاً صلى الله عليه وسلم.
وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِهِمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ خَالَطَهُمْ بِالشَّامِ، وَتَعَرَّفَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَخَبَرَ مَقُولَاتِهِمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَقَرَأَ كُتُبَهُمْ ومَنْشُورَاتِهِمْ، وَكَشَفَ لِلْأُمَّةِ حَقِيقَتَهُمْ وَخِيَانَاتِهِمْ فِيْ سُؤَالٍ وُجِّهَ إِلَيهِ عَنْهُمْ فَأَجَابَ جَوَابَاً مُطَوَّلَاً يُنْصَحُ بِقِرَاءَتِهِ لِمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ حَقِيقَتِهِمْ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ: لَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، وَلَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ وَلَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَذَكَرَ أَنَّهُم أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَلْ وَأَكْفَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ... لأنَّهُم يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ، وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَلله، وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ، وَلَا بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ وَلَا بِأَحَدٍ مِنْ الْمُرْسَلِينَ.... وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الله الْمُنَزَّلَةِ، لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الْقُرْآنِ. وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا خَلَقَهُ، وَلَا بِأَنَّ لَهُ دِينًا أَمَرَ بِهِ، وَلَا أَنَّ لَهُ دَارًا يَجْزِي النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ.
وَذَكَرَ أَنَّهُمْ خَانُوا المُسْلِمِيْنَ، وَأَعَانُوْا الصَّلِيْبِيِّينَ فِيْ الْشَّامِ، كَمَا أَعَانُوْا التَّتَارَ فِي الْعِرَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَغَشِّ النَّاسِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِوُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى فَسَادِ الْمَمْلَكَةِ وَالدَّوْلَةِ. ا. هـ.
وَمَا ذَكَرَهُ شَيخُ الْإِسْلَامِ مِنْ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمْ بِالْمُسْلِمِيْنَ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَائِهِمْ رَأَيْنَاهُ فِيْ سُوْرِيَا مُنْذُ أَنْ قَامَ لَهُمْ فِيْهَا دَوْلَةٌ، وَنَرَاهُ هَذِهِ الْأَيَّامِ عَلَى شَاشَاتِ الْتَّلْفَزَةِ.
إِنَّ الْنُصَيرِيِّينَ تَسَلَّلُوا إِلَى الْحُكْمِ فِيْ سُورِيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ وَحِصْنُهُ، وَعَاصِمَةُ الْأُمَرَاءِ الْأُمَوِيِّينَ، وَلَهَا تَارِيخٌ مَجِيدٌ فِي الْفُتُوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيْ جِهَادِ الصَّلِيبِيِّينَ وَالْتَّتَرِ، حَتَّى إِنَّ أَعْظَمَ الْفُتُوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ عُقِدَتْ ألَوِيَّتُهَا، وَسُيِّرَتْ جُيُوشُهَا مِنْ بِلَادِ الْشَّامِ الْمُبَارَكَةِ، الَّتِي بَارَكَهَا اللهُ تعالى بِنَصٍّ فِي الْقُرْآنِ.
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ تَسَلُّمَهُمْ لِحُكْمِ سَوْرِيَا فِي عَصْرِنَا كَانَ بِمَعُوْنَةِ الاسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ الَّذِيْ مَكَّنَ لَهُمْ فِيهَا حِيْنَ أَسَقَطَ وُلَاتَهَا مِنْ أَهْلِ الْسُنَّةِ، وبَتَرَهَا عَنْ الدَّولَةِ العُثْمَانِيَّةِ، وَجَعَلَهَا تَحْتَ سُلْطَتِهِ، فَلَمَّا جَاهَدَ أَهْلُ الْشَّامِ الِاسْتِعْمَارَ الفَرَنْسِيَّ وَأَثْخَنُوا فِيْهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى مَكَّنَ لِلطَّوَائِفِ الْبَاطِنِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْوَانَاً لَهُ عَلَى احْتِلَالِ سَوْرِيا؛ وَلِأَجْلِ إِضْعَافِ المُسْلِمِينَ بِهِمْ.
وَمَا أَذْكُرُهُ مِنْ مَعْلُوْمَاتٍ فِيْ وُصُوْلِ النُصَيرِيِّينَ لِلْحُكْمِ فِيْ سُوْرِيَا مُسْتَقَىً مِنْ أُطْرُوحَةٍ للدُكْتُورَاه كَتَبَهَا غَرْبِيٌّ نَصْرَانِيٌّ مُعْجَبٌ بِالطَّائِفَةِ الْنُصَيْرِيَّةِ، وَيُدَافِعُ عَنْهَا كَثِيرَاً؛ وَذَلِكَ حَتَّى أَنْفِيَ تُهْمَةَ الْتَّحَيُّزِ لَوْ نَقَلْتُ عَنْ مُسْلِمَيْنَ وَعَنْ أَهْلِ الْسُّنَّةِ خَاصَّةً.
فَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الغَرْبِيُّ أَنَّ الِاسْتِعْمَارَ الْفَرَنْسِيَّ هُوَ الَّذِيْ حَرَّضَ الْطَّوَائِفِ الْبَاطِنِيَّةَ عَلَىَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيْ سُوْرِيَا، وَأَظْهَرَهُمْ وَقَوَّى شَوْكَتَهُمْ، وَمَكَّنَ لَهُمْ فِيْ أَهَمِّ الْمُؤَسَّسَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، حَتَّى سَادَتْ فَتْرَةٌ أُغْلِقَتْ الْكُلِّيَّاتِ وَالمَعَاهِدُ الْعَسْكَرِيَّةُ فِي وَجْهِ أَبْنَاءِ الْسُّنَّةِ، وَفُتِحَتْ لِلطَّوَائِفِ الْأُخْرَى، وَصَارَ الْقَادَةُ الْعَسْكَرِيُّونَ مِنَ النُصَيرِيِّينَ فِيْ أَهَمِّ الْمَوَاقِعِّ ومَحَاطِينَ بِضُبَّاطٍ وَجُنُوْدٍ مِنْ أَبْنَاءِ طَائِفَتِهِمْ؛ لِتَقْوِيَةِ مَرَاكِزِهِمْ.
ثُمَّ كَانَتِ الخُطَّةُ الْخَبِيْثَةُ لإِذَابَةِ أَهْلِ الْسُّنَّةِ، وَإِخْفَاءِ طَائِفِيَّةِ النُصَيرِيِّينَ بِصَهْرِ الْجَمِيْعِ فَي حِزْبِ الْبَعْثِ الَّذِيْ أَسَّسُوهُ مَعَ النَّصَارَى؛ لِيَكُوْنَ مَبْدَأُ الْحِزْبِ الإِيمَانَ بِالْعُرُوبَةِ، وَجَعْلِهَا بَدِيلَاً لِلْإِسْلَامِ، وَخِدَاعِ أَبْنَاءِ الْسُّنَّةِ بِمَبَادِئِ الْحُرِّيَّةِ وَالاشْتِرَاكِيّةِ الَّتِيْ يُعْلِنُهَا هَذَا الْحِزْبُ، وَكَانَ لَهَا آنَذَاكَ وَهَجٌ كَبِيرٌ، وَحَوَّلُوا الْنَّاسَ مِنَ الْوَلَاءِ لِلْدِّيِنِ إِلَى الْوَلَاءِ لِلْحِزْبِ، وَهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ قِيَادَتِهِ، وَيَخْدَعُوْنَ الْعَامَّةَ بِمَبَادِئِهِ، حَتَّى بَلَغُوا سُدَّةَ الْسَّلْطَةِ بِالانْقِلابِ قَبْلَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً تَحْتَ شِعَارِ الحِزْبِ وَهُمْ يُخْفُونَ طَائِفَيَتَهُمْ، فَلَمَّا سَادُوا حَيَدُوا أَهْلَ الْسُّنَّةِ مِنَ الْمَرَاكِزِ الْمُهِمَّةِ، وَبَدَأَتْ سِلْسِلَةٌ مِنَ التَصْفِيَاتِ وَالقَتْلِ الْمُبَرْمَجِ لِكُلِّ رُمُوْزِ أَهْلِ الْسُّنَّةِ، وَتَوَّجُوا ذَلِكَ بِمَذْبَحَةِ حَمَاةَ بَعْدَ مَذْبَحَتِي تُدْمُرَ وَحَلَبَ الَّتِيْ رَاحَ ضَحِيَّتَهَا الْآلَافُ مِنَ الأُسَرِ السُّنِّيَّةِ بِرِجَالِهَا وَنِسَائِهَا وَأَطْفَالِهَا، وَأَذَلُّوا أَهْلَ الْسُّنَّةِ ذُلّاً عَظِيْمَاً، وَآذَوْهُمْ أَذَىً شَدِيْدًا، وَلَا يَكَادُ يُوْجَدُ بَيْتٌ مِنْ أَهْلِ الْسُّنَّةِ إِلَّا وَفِيْهِ مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ الْنُصَيْرِيِّينَ، حَتَّى كَانَتِ النِّسَاءُ النُصِيْرِيَاتُ يُمَارِسْنَ الْإِذْلَالَ وَالْقَهْرَ لِلْنَّاسِ عَلَى أَنَّهُنَّ الْحُكُومَةُ ومُمَثِلَاتُهَا..
وَهُمْ فِيْ كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُخْفُونَ دِينَ طَائِفَتِهِمْ، وَرَئِيْسُهُمْ يَتَمَسَّحُ بِالإِسْلَامِ، وَيَتْلُو القُرْآنَ، وَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِيْنَ؛ لِخِدَاعِ الْعَامَّةِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَذَابِحَ هِيَ لمُتَطَّرِفِينَ وَلِأَعْدَاءَ لِلْوَطَنِ أَوْ لِلْحِزْبِ مُنْدَسِّينَ بَيْنَ النَّاسِ.. انْتَهَى الِاقْتِبَاسُ مِنْ أُطْرُوحَةِ الْكَاتِبِ الْغَرْبِيِّ.
وَلَقَدْ ظَلَّ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي سُوْرِيَا وَهُمْ الأَكْثَرِيَّةُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً تَحْتَ اسْتِعْبَادِ النُصَيْرِيِّينَ البَاطِنِيِّينَ وَهُمْ أَقَلِّيَّةٌ لَا يَبْلُغُونَ عُشرَ الْسُّكَّانِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ غَفْلَةِ أَهْلِ الرَّأْيِّ وَالحَلِّ وَالعَقْدِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَبِسَبَبِ بُعْدِهِمْ عِنْ دِيْنَهُمْ، وَرُكُوْبِ رُمُوْزِهِم مَوْجَةَ حِزْبِ الْبَعْثِ العَلْمَانِيِّ الْكَافِرِ الَّتِي خَدَعَهُمُ البَاطِنِيُّونَ بِهَا، وَجَعَلُوْهَا سُلْمَاً لِبُلُوْغِ السُّلْطَةِ، فَكَانَتْ نَتِيْجَةُ تَفْرِيطِ أَهْلِ الْسُّنَّةِ فِي دِينِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ وَأَكْثَرِيَتِهِم ذُلَّاً وَعَذَابَاً وَهَوَانَاً وَتَشْرِيدَاً وَقَهْرَاً وَتَجْهِيْلاً وتَهْمِيْشَاً زَادَ عَلَى أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، حَتَّى ضَاقَ النَّاسُ ذَرْعَاً وَثَارُوا عَلَى ذَلِكَ، وَهُمُ الآنَ يُذَبَِّحُوْنَ وَيُعَذَّبُ شَبَابُهُمْ وَأَطْفَالُهُمْ فِي الْسُّجُونِ الْنُصَيْرِيَّةِ، فَعَسَى اللهُ تعالى أَنْ يَكْشِفَ غُمَّتَهُمْ، وَيُزِيلُ كَرْبَهُم، وَيُمَكِّنَ لَهُمْ، وَيَجْعَلَ مُصَابَهُمْ خَيرَا لَهُمْ وَلِلْإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ.. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ قَتْلَاهُمْ فِيْ الْشُّهَدَاءِ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَفُكَّ أَسْرَاهُمْ، وَأَنْزَلْ عَلَيهِمْ سَحَائِبَ نَصْرِكَ، وَأَمَدَّهُمْ بِجُنْدِكَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوْبِ ضُعَفَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَارْحَمْ أَطْفَالَهُمْ، وَاهْزِمْ أَعْدَاءَهُمْ، إِنَّكَ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ.. ﴿وَمَا الْنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ﴾ [آَلِ عِمْرَانَ: 126].
بَارَكَ اللهُ لِيْ وَلَكُمْ فِيْ الْقُرْآَنِ الْعَظِيْمِ...
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لله حَمْدَاً طَيِّبَاً كَثِيْرَا مُبَارَكَا فِيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَأَطِيْعُوْهُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُوْنَ فِيْهِ إِلَىَ الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].
أَيُّهَا الْنَّاسُ!
إِنَّ مِنْ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ لِخذْلانِ الْمُسْلِمِيْنَ وَخِيَانَتِهِمْ، وَتَسْلِيطِ الأَعْدَاءِ عَلَيهِمْ، وَتَمْكِينَهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَرِقَابِهِمْ: اتِّخَاذَ الْمُنَافِقِيْنَ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَخُونُونَهُمْ فِيْ الْسَّاعَةِ الْحَرِجَةِ وَقَدْ قَالَ اللهُ - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوُا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُوْنِكُمْ لَا يَأْلُوْنَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُوْرُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُوْنَ * هَا أَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّوْنَهُمْ وَلَا يُحِبُّوْنَكُمْ وَتُؤْمِنُوْنَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوْكُمْ قَالُوْا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آَلِ عِمْرَانَ: 118-119].
وَلَوْ تَأَمَّلْنَا سِيْرَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَوَجَدْنَاهُ لَمْ يَظْلِمِ الْمُنَافِقِينَ، وَعَامَلَهُمْ بِمَا يُظْهِرُونَ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى الله تعالى، لَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ لَمْ يُمَكِّنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي قِيَادَةٍ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِيْ وِلَايَةٍ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ بِطَانَةً، رَغْمَ أَنَّ فِي المُنَافِقِينَ سَادَةِ كِبَارًا فِي قَوْمِهِمْ كَابْنِ سَلُوْلَ وَعَامِرٍ الرَّاهِبِ، حَتَّى أَنَّ ابْنَ سَلُوْلَ كَانَ قُبَيلَ الْهِجْرَةِ سَيُتَوَّجُ رَئِيْسَاً لَلْأَنْصَارِ، وَحُرِمَ مِنْ أَيِّ قِيَادَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ وَلَوْ صَغُرَتْ لَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِفَاقَهُ. وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَحَدًا مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا وَلَّاهُ قِيَادَةَ سَرَّيَّةٍ، وَلَا حَمْلَ لَوَاءٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَخُونُونَ المُؤْمِنِينَ فِي الأَزَمَاتِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ سَلُولَ فِيْ أُحُدٍ، فَكَانَ هَذَا مَنْهَجَاً نَبَوِيَّاً، وَسِيَاسَةً شَرْعِيَّةً فِيْ الْتَّعَامُلِ مَعَ الْمُنَافِقِينَ وَالبَاطَنِيِّينَ.
وَخِيَانَاتُ المُنَافِقِيْنَ مِنَ الفِرَقِ البَاطِنِيَّةِ مَشْهُورَةٌ فِيْ تَارِيخِ المُسْلِمِيْنَ؛ فَبَغْدَادُ سَقَطَتْ فِي القَدِيْمِ وَالحَدِيثِ بِخِيَانَتِهِمْ وَمُمَالَأَتِهِمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَاحْتَلَّ الصَّلِيبِيُّونَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِخِيَانَتِهِمْ إِذْ كَانُوا هُمْ حُكَّامَهُ فِي الدَّولَةِ الْعُبَيدِيَّةِ، وَسَقَطَتْ حَدِيْثَاً فِيْ يَدِ الْيَهُودِ بِخِيَانَتِهِمْ أَيضَاً لَمَّا كَانَ الدُّرُوزُ عُيُونًا وَجُنُوْدًا لْجَيْشِ الِاحْتِلَالِ.
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الَإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْنُصَيْرِيَّةَ أَحْرَصُّ النَّاسِ عَلَى تَسْلِيمِ الْحُصُوْنِ إِلَى عَدُوِّ المُسْلِمِينَ، وَعَلَى إِفْسَادِ الْجُنْدِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَإِخْرَاجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ.
وَمَا قَالَهُ قَبْلَ قُرُوْنٍ وَقَعَ قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً حِيْنَ حَرَّضَ النُّصَيرِيُّونَ الدَّهْمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْسُّنَّةِ عَلَى قِيَادَاتِهِم بِاسْمِ حِزْبِ الْبَعْثِ، وَحِيْنَ سَلَّمُوا هَضْبَةِ الجُولَانِ، وَأَعْلَنَ رَئِيْسُ النُّصَيريَّينَ آنَذَاكَ سُقُوْطُ الْقُنَيطِرَةِ فِيْ أَيْدِي الْيَهُودِ وَهِيَ لَمْ تَسْقُطْ، بَلْ بَاعَهَا لَهُمْ، وَقَدْ كَشَفَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وُزَرَاءُ وَقَادَةٌ فِي الْنِّظَامِ السُّورِيِّ فِيْ مُذَكِّرَاتِهِم وَمُقَابَلَاتِهِمْ.
فَعَلَى عُمُوْمِ الْمُسْلِمِيْنَ حُكَّامَاً وَمَحْكُومِيْنَ الحَذَرُ مِنَ التَّمْكِينِ لِلْمُنَافِقِينَ وَالبَاطَنِيِّينَ، وَعَدَمُ الْوُثُوقِ بِهِمْ، وَلَا اتِّخَاذِهِمْ بِطَانَةً، وَبَيَانُ خَطَرِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النَّصِيحَةِ لِوُلَاةِ أُمُوْرِ المُسْلِمِينَ، وَلِكَافَّةِ أَهِلَّ الحَلِّ وَالعَقْدِ وَالرَّأْيِّ، وَأَنْ يَكُونَ تَعَامُلُهُمْ مَعَهُمْ كَتَعَامِلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِعَدَمِ ظُلْمِهِمْ، وَعَدَمِ تَوَلِّيْهِمَ أَوِ التَّمْكِينِ لَهُمْ، مَعَ شِدَّةِ الْحَذَرِ مِنْهُمْ، فَوَ الله الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِهِ إِنَّهُمْ مَا تَمَكَّنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ فِيْ بَلَدٍ إِلَّا نَكَّلُوا بِهِمْ، وَاسْتَحَلُّوْا دَمَاءَهُمْ وَحَرِيمِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَذَاقُوهُمْ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ، وَتَارِيخُ النُصَيْرِيِّين فِي سُوْرِيَا يَنْضَحُ بِالمَآسِي لِأَهْلِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ لِمَنْ يَقْرَأُ التَّارِيخِ وَيَسْتَفِيدُ مِنْ أَحْدَاثِهِ..
حَفِظَ اللهُ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِيْنَ كَافَّةً مِنْ شَرِّ البَاطِنِيِّينَ، وَكَيْدِ المُنَافِقِينَ، وَهَتْكَ سِتْرَهُمْ، وَكَشَفَ لِلْنَّاسِ أَمْرَهُمْ، وَأَزَالَ خَطَرَهُمْ، وَأَذْهَبَ رِيْحَهُمْ، وَمَكَّنَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْهُمْ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ..
وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوا...
أشير بسرعة لتوثيق بعض المعلومات للفائدة ولمن أراد الرجوع إليها:
1- الباحث الغربي الذي اقتبست منه في الخطبة هو الكاتب الهولندي الدكتور نيقولاوس فان دام، في أطروحته للدكتوراه بعنوان (الصراع على السلطة في سوريا.. الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة) من عام 1961 إلى عام 1995م. طبع مكتبة مدبولي، القاهرة، وهو كتاب مميز مليء بالنقول إلا أن صاحبه منحاز تماما للنصيريين.
2- بالنسبة لكلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- عنهم هو في الفتاوى الكبرى: 3/509، وفي مجموع الفتاوى: 35/156، وأفردته رئاسة الإفتاء السعودية في رسالة قصيرة.
3- بالنسبة لسقوط القنيطرة ففيه كتب مفردة، وكان إعلان سقوطها ا قبل 48 ساعة من احتلالها ففي يوم السبت العاشر من حزيران سنة 1967 أعلن وزير الدفاع السوري حافظ أسد الساعة 9. 30 البلاغ العسكري رقم 66 وهذا نصه: إن القوات الإسرائيلية استولت على القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة وكان طيران العدو يغطي سماء المعركة بإمكانات لا تملكها غير دولة كبرى، وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل، إن الجيش لا يزال يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن، كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد ستأخذ مراكزها في المعركة.
يقول الدكتور عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة السوري آنذاك: كنت في جولة تفقدية في الجبهة وفي مدينة القنيطرة بالذات عند إذاعة بيان سقوط القنيطرة وظننت أن خطأً قد حدث فاتصلت بوزير الدفاع حافظ الأسد وأخبرته أن القنيطرة لم تسقط ولم يقترب منها جندي واحد من العدو وأنا أتحدث من القنيطرة ودهشت حقاً حين راح وزير الدفاع يشتمني شتائم مقذعة ويهددني إن تحدثت بمثلها وتدخلت فيما لا يعنيني. فاعتذرت منه وعلمت أنها مؤامرة وعدت إلى دمشق في اليوم الثاني وقدمت استقالتي.
ويقول سامي الجندي في(كتابه كسرة خبز) وسامي الجندي هذا كان وزيراً للإعلام وعضو القيادة القطرية ومن مؤسسي حزب السلطة (البعث) وهو الذي اعترف أنه أرسل سفيراً إلى باريس في مهمة سلمية: فوجئت لما رأيت على شاشة التلفزيون في باريس مندوب سورية جورج طعمة في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة (وذلك من خلال البلاغ 66 الصادر عن وزير الدفاع حافظ الأسد) الذي أعلن وصول قوات إسرائيل إلى مشارف دمشق بينما المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة يؤكد أن شيئاً من كل ذلك لم يحصل.

السبت، 27 أبريل 2013

دفاع عن الفصحى .. الشيخ / البشير عصام المراكشى


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الدعوة إلى العامية من أعظم معاول الهدم التي تتربص باللغة العربية. وقد نشأت هذه الدعوة منذ أكثر من قرن من الزمان، لكن تصدى لها أكابر العلماء والأدباء، فقبروها في مهدها، وجعلوا عامر ديارها يبابا، إلا قليلا مما لا تأثير له.
وازدادت هذه الدعوات إلى العامية ضعفا وركودا، حين انتشرت في الأمة بذور البعث الإسلامي، فانطلق الدعاة والعلماء منذ عقود يدعون إلى إنقاذ الفصحى في ضمن دعوتهم للإسلام، موقنين بأن العربية وعاء هذا الدين، وأن ضعفها في النفوس لن تكون نتيجته إلا انقطاعا عن الإسلام، وانحسارا لحسن التفقه في الدين.
واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن ظهر في السنوات الأخيرة بعض الدعاة الذين اتخذوا من العامية (المصرية خصوصا) لغتهم الأولى التي لا يبغون عنها في خطابهم بديلا. وانتشر هذا الفعل في دروس الوعظ بالمساجد والفضائيات، بل في خطب الجمعة وبعض دروس العلم.
وكنا نحسب الأمر ''تقليعة'' جديدة، لن تعتم أن تنزوي في جحرها الذي خرجت منه، حين تمر عليها حقبة من الزمان، وتستنفذ أسباب وجودها.
وكنا نظن أن هذا كله لا يعدو أن يكون خاصا بمن يسمونهم (الدعاة الجدد)، الذين اصطنعوا لأنفسهم أسلوبا جديدا في الدعوة الدينية، يتنازلون فيه عن بعض الأسس والثوابت، رغبة في كسب ود الناس، وتمام التقرب من أصناف غير المتدينين.
فقلنا – على شيء من المضض غير قليل -:
لا بأس!ولنكن (ماكيافلليين) قليلا، فنقبل هذه الوسائل المرذولة، طلبا للغايات النبيلة!
لكن الخرق اتسع على الراقع، وانتقل الداء من (الدعاة الجدد) إلى (الدعاة القدامى)، بل إلى العلماء المتمكنين، المتصدرين لإفادة الناس وتعليمهم.
وانتقلت عدوى العامية من مجالس الدعوة العامة، إلى مجالس العلم الخاصة. بل صرنا نرى – ولولا أنني رأيت ذلك بعيني ما صدقته لشناعته – درسا في النحو العربي، يلقيه صاحبه بالعامية!
فقلنا: ما بقي للسكوت مجال، فإن هذه اللغة التي شرفها الله عز وجل، فجعلها لغة كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه، أحب إلينا من فلان وعلان، كائنا من كان.
أتعجب كثيرا حين أسمع كثيرا من أحبابنا المصريين من العلماء والدعاة، يحرصون على إلقاء دروسهم بالعامية المصرية، ولعلهم يعولون كثيرا على أن غالبية العرب يفهمون اللهجة المصرية.
ووجه العجب أن المصريين هم حماة الفصحى قديما وحديثا. وما أزال كلما سئلت عن تعلم النحو، أرشد السائل إلى كتب ابن هشام الأنصاري، مع هوامش محيي الدين عبد الحميد. فإن طلب مني ثالثا، زدته الشيخ خالدًا الأزهري.
وهؤلاء المصريون الثلاثة – رحمهم الله وأجزل مثوبتهم - أُلين لهم علم النحو في العصور المتأخرة، كما ألين لداود الحديد. فما أعظم فضلهم على علوم العربية، وما أعظم تقصيرنا في حق كتبهم وتحقيقاتهم العلمية!
وما أزال أيضا إذا سئلت عن تعلم أساليب الكتابة العصرية، وعن أفضل كتب الأدب الحديث، أرشد السائل إلى كتب محمود شاكر والرافعي ومبارك والمازني والعقاد، وأضرابهم، من عظماء مصر الحديثة.
وإذا كانت الدعوة إلى العامية قد نشأت في أوائل القرن العشرين عند بعض المتغربين من أهل مصر، فإن أعظم الردود العلمية الرصينة على هذه الدعوة الرعناء، إنما ولدت وترعرعت واشتد عودها في مصر أيضا.
وإذا كانت مصر قلب الأمة النابض كما لا يخفى، فإن الناس في كل مكان من ربوع هذه الأمة تبع للمصريين في الخير وفي الشر.
ولذلك صرنا نرى في المغرب مثلا نابتة (لا تزال قليلة) تتشبه بالقوم في الكلام بالعامية. وصرنا نسمع أيضا بعض الدعاة من أهل الجزيرة العربية يرطنون بعاميتهم أيضا.
ولنتخيل ماذا سيحدث لهذه الأمة المتشرذمة، إذا صار العلماء والدعاة من أهل المغرب وشنقيط والجزائر ونجد والعراق والشام واليمن يلقون دروسهم، كل واحد بعاميته التي نشأ عليها في بلده. ما الذي سيبقى حينئذ من وحدة هذه الأمة؟
بل ماذا سيبقى من هذه اللغة، التي يتكالب عليها الهدامون من كل حدب وصوب، حتى إذا اطمأنت إلى من تحسبهم أصدقاءها وحماة بيضتها، إذا هم يقلبون لها ظهر المجن، ويطعنونها في ظهرها، طعنة نجلاء، لن تفيق منها إلا أن يتداركها الله برحمته.
قد يقول قائل: أنت تغلو في وصفك، ونحن إنما نريد التيسير على الناس، لتسهيل التواصل معهم.
وأنا أجيب: أخشى أن هذا الأمر تلبيس شيطاني، لا نصيب له من الصحة. وإلا فلتخبرني – وفقك الله لمرضاته - ما الفرق في معيار التيسير هذا بين أن يقول الداعية: (احنا عاوزين نشرح الحتة دي) وبين أن يقول (نحن نريد أن نشرح هذا الأمر)؟
وهل يوجد بين عوام الناس من لا يفهم الجملة الثانية، مع كونه يفهم الأولى؟
وأنا إنما أقول هذا تنزلا، وإلا فإن أغلب جمهور هؤلاء الدعاة ليسوا من الأميين، بل هم في غالب الأحيان متعلمون، ولو إلى حد أدنى يمكنهم من فهم الكلام العربي الميسر.
فإن قيل: القوم متعلمون، ولكنهم متغربون، تربوا في أحضان الثقافة الأمريكية، أو رضعوا لبان الفرنكفونية، فلا سبيل إلى مخاطبتهم بالعربية.
فالجواب: المتغربون لا يفهمون (أو يتعمدون ألا يفهموا) عامية ولا فصحى، وحق هؤلاء إن أردت التواصل معهم أن تلبس عباءة موليير، أو ترتدي سربال شكسبير لتخاطبهم بلسانهم، الذي لا يرفعون بغيره رأسا. وإنك – لو فعلت – لن تجدني منكرا ولا منتقدا.
ثم إن موضوع الدرس يكون في أحيان كثيرة غير مناسب للعوام، بل هو موجه للمثقفين عموما، أو إلى المنتسبين للتيار الإسلامي خصوصا، بل قد يكون موجها لنخبة مخصوصة منهم، وهو مع ذلك بالعامية!
فأين المصلحة في ذلك؟
يقولون: نحن بهذا نصلح الشباب، ونعالج انحرافاتهم.
نقول: لعل .. ولكنكم تنزلون إلى مستواهم بدلا من أن ترقوهم إلى مستواكم. وإذا استمر الأمر على هذا، فإنه يوشك أن تستووا معهم، فيستقر الجميع في درك الجهل، بدلا من أن ترتفعوا أجمعين إلى مراقي العلم.
فإن قلت: وهل هذا النزول ممكن، ولو افتراضا؟
فالجواب: نعم، فإن العربية إنما تكتسب بالممارسة، ويحافظ على رونقها بالممارسة أيضا. وإن من يترخص بالإكثار من الكلام بالعامية، سيأتي عليه زمان إذا أراد فيه أن يتكلم بالفصحى وجد اللحن يسابقه إلى تعبيراته، والخطأ يلاحقه في تراكيبه. فيضطر حينئذ إلى الرجوع إلى العامية ''المحبوبة'' حيث لا يلحنه أحد، وحيث هو مالك زمام كلامه، يقول ما يشاء، كما يشاء!
فإن قال قائل: إن العامية تتيح لنا يسرا في التعبير لا تتيحه الفصحى، التي تتميز بصرامة قواعدها، ووعورة مسالكها. ونحن محتاجون للانطلاق في التعبير، دون قيد تفرضه علينا هذه القواعد، ولا رهبة من أن تتسلط على رقابنا أسنّة التخطئة.
فإننا نقول: إذن فالعيب فيك لأنك تصدرت قبل أن تتأهل، ولا تأهل في العلم بدون علم العربية، باتفاق من يعتد بخلافه ووفاقه.
ولا تغتر – يا صاحبي - بما حصلته من معلومات، إن لم تكن قبل ذلك قد حصلت طرفا صالحا من علوم العربية، فإنها الأساس الذي يبنى عليه هيكل العلوم الشرعية كلها. وكل بناء على غير أساس يوشك أن ينهدم.
وهل أُتي أهل البدعة قديما إلا من عُجمتهم (وقديما قال أبو عمرو لعمرو: مِن العجمة أتيت، في قصة مشهورة، تراجع في مظانها)، وهل العجمة إلا ما أنت فيه؟ أم تحسب العجمة في النسب لا في اللسان؟
وقد كان الطفل في مدارسنا العتيقة يعَلّم القرآن ثم العربية. بل قال بعض العلماء بتعليم العربية قبل القرآن، لأنها أساس فهمه.
وهؤلاء علماؤنا في تاريخ هذه الأمة العظيم، لا يتخصصون في الحديث أو التوحيد أو الفقه، إلا بعد أن يكونوا قد تعلموا علوم العربية، وأتقنوا منها ما لا بد من إتقانه.
أما الآن، فصرت لا تستنكر أن ترى عالما أو داعية، يشتغل بالحديث أو يتصدر للفتوى، وهو لا يستطيع أن يعرب جملة، ولا يعرف المقياس الصرفي لكلمة. وإذا قرأ في كتاب من كتب التراث، في التفسير أو شرح الحديث أو الفقه، وجاء ذكر دقيقة من دقائق العربية – وما أكثر ذلك في كتب التراث -، لوى وجهه، وانصرف عنها، كأن المخاطب بذلك غيره، وكأنها من ترف العلم، وفضلات المعارف.
فإلى أين نحن صائرون، أيها الغيورون على العلم والدين؟
ثم إن هذا الباب الذي فتح في ميدان الخطابة والتدريس، سيفتح عما قريب في ميدان الكتابة. وهذه بوادره قد ظهرت في كتابات بعض طلبة العلم في بعض المنتديات العلمية المتخصصة. ولو أنني كتبت هذا المقال بلهجتي العامية التي نشأت عليها، فمن سيفهم عني ما أقوله، من أحبابي من أهل المشرق الإسلامي؟
فتخيل معي يا صاحبي ما سيؤول إليه أمرنا، إن لم نتدارك الأمر قريبا.
ونحن إذا استمررنا في هذه السبيل المظلمة، فسيأتي الزمان الذي يموت فيه الذوق العربي، وتستعجم التراكيب الفصيحة على الناس، ويفقد الطلبة – فضلا عمن دونهم – الملكة اللغوية، التي تربطهم بالقرآن والسنة، وتراث الأمة.
إني لأقرأ في بعض الأحيان قصة طريفة في بعض كتب الأدب القديم، فيشتد منها ضحكي. فأجرب أن أشارك فيها بعض إخواني، فإذا هو الوجوم والاستغراب، كأنني ألقيت عليهم مرثية أو خاطبتهم بموعظة!
ويحدث لي أن أقرأ أيضا تركيبا مزهرا للجاحظ، أو بيانا مشرقا للتوحيدي، أو لعبة لفظية راقية للقاضي الفاضل (هذا الذي هدمنا أدبه بدعوى الإفراط في الصنعة اللفظية، ثم لم نأت بما يعوضه. بل صرنا: لا لفظ ولا معنى!)، فأكاد أطير من مقعدي من شدة الطرب، وأبحث – قريبا مني - عمن يشاركني سعادتي، من الطلبة الملتزمين بالشرع، والمنتسبين إلى طلب العلم، فألتاع من حر الغربة؛ مع أنني في عرف أهل العربية متطفل أعجمي، لكن كم من أعشى يكون غريبا في مملكة العميان!
إن الذوق العربي يندثر .. وإن الملكة اللغوية تنحسر .. وإن حمأة العامية تزحف .. فالحقوا هذه اللغة، بل الحقوا هذا الدين، فإنهما مرتبطان لا ينفكان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
__________________
موقعي: www.aissambachir.com
رد مع اقتباس

الجمعة، 26 أبريل 2013

فلسفة الحياة



إيليا أبو ماضى
أيّهذا الشّاكي وما بك داء كيف تغدو اذا غدوت عليلا؟
إنّ شرّ الجناة في الأرض نفس تتوقّى، قبل الرّحيل ، الرّحيلا
وترى الشّوك في الورود ، وتعمى أن ترى فوقها النّدى إكليلا
هو عبء على الحياة ثقيل من يظنّ الحياة عبئا ثقيلا
والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا
ليس أشقى مّمن يرى العيش مرا ويظنّ اللّذات فيه فضولا
أحكم النّاس في الحياة أناس عللّوها فأحسنوا التّعليلا
فتمتّع بالصّبح ما دمت فيه لا تخف أن يزول حتى يزولا
وإذا ما أظلّ رأسك همّ قصّر البحث فيه كيلا يطولا
أدركت كنهها طيور الرّوابي فمن العار أن تظل جهولا
ما تراها والحقل ملك سواها تخذت فيه مسرحا ومقيلا
تتغنّى، والصّقر قد ملك الجوّ عليها ، والصائدون السّبيلا
تتغنّى، وقد رأت بعضها يؤخذ حيّا والبعض يقضي قتيلا
تتغنّى ، وعمرها بعض عام أفتبكي وقد تعيش طويلا؟
فهي فوق الغصون في الفجر تتلو سور الوجد والهوى ترتيلا
وهي طورا على الثرى واقعات تلقط الحبّ أو تجرّ الذيولا
كلّما أمسك الغصون سكون صفّقت الغصون حتى تميلا
فإذا ذهّب الأصيل الرّوابي وقفت فوقها تناجي الأصيلا
فأطلب اللّهو مثلما تطلب الأطيار عند الهجير ظلاّ ظليلا
وتعلّم حبّ الطلّيعة منها واترك القال للورى والقيلا
فالذي يتّقي العواذل يلقى كلّ حين في كلّ شخص عذولا
أنت للأرض أولا وأخيرا كنت ملكا أو كنت عبدا ذليلا
لا خلود تحت السّماء لحيّ فلماذا تراود المستحيلا ؟..
كلّ نجم إلى الأقوال ولكنّ آفة النّجم أن يخاف الأقولا
غاية الورد في الرّياض ذبول كن حكيما واسبق إليه الذبولا
وإذا ما وجدت في الأرض ظلاّ فتفيّأ به إلى أن يحولا
وتوقّع ، إذا السّماء اكفهرّت مطرا يحيي السهولا
قل لقوم يستنزفون المآقي هل شفيتم مع البكاء غليلا؟
ما أتينا إلى الحياة لنشقى فأريحوا ، أهل العقول، العقولا
كلّ من يجمع الهموم عليه أخذته الهموم أخذا وبيلا
كن هزارا في عشّه يتغنّى ومع الكبل لا يبالي الكبولا
لا غرابا يطارد الدّود في الأرض ويوما في اللّيل يبكي الطّلولا
كن غديرا يسير في الأرض رقراقا فيسقي من جانبيه الحقولا
تستحم النّجوم فيه ويلقى كلّ شخص وكلّ شيء مثيلا
لا وعاء يقيّد الماء حتى تستحل المياه فيه وحولا
كن مع الفجر نسمة توسع الأزهار شمّا وتارة تقبيلا
لا سموما من السّوافي اللّواتي تملأ الأرض في الظّلام عويلا
ومع اللّيل كوكبا يؤنس الغابات والنّهر والرّبى والسّهولا
لا دجى يكره العوالم والنّاس فيلقي على الجميع سدولا
أيّهذا الشّاكي وما بك داء كن جميلا تر الوجود جميلا