إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

أخلاق المصريين (3).. حقيقة التدين

الحمد لله وحده ..و الصلاة و السلام على من لا نبى بعده،،،
ما هى حقيقة التدين؟
كان العرب أمة  بدائية ، صبغتهم البيئة بصبغتها القاسية، فلا عجب أن رأينا كثيرا منهم قساة القلوب، تماما كالجبال التى تكتنفهم ،و رأيناهم ظلمة يعدون ظلم الآخرين مفخرة يشدون بها فى شعر الفخر و العظمة ، يشيع فيهم الخمر و الميسر و الوثنية .. الخ ما تجسده الجاهلية فى أقبح صورها، ثم جاءهم-  من بينهم- من بعثه ربه رحمة للعالمين، فنزلت رسالته كالغيث على أرض أنهكها طول التعطش إلى الخير ، كانت تلك  القلوب على الفطرة تنتظر من يفتح مغاليقها فسرعان ما رأيناهؤلاء الرجال قد لانت منهم القلوب ، و تفجرت بين جوانبهم حلاوة الإيمان فأثمرت خشية حقة  لله جل و علا ، وورعا صادقا و استعدادا لبذل النفس و النفيس و الأهل و الولد فى سبيل هذا الدين الذى أكرمهم الله به.
هذا رستم القائد الفارسى لما رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول : أكل عمر كبدى ، يعلم الكلاب الآداب.
وحتى رأينا من صور التدين الصادق ما هو مفخرة للبشرية كلها...صدقا فى الحديث و أمانة تامة فى التعامل، و كرما و صلة للأرحام ،و بذلا و إيثارا لإخوانهم على أنفسهم و هذا هو التدين الحقيقى الذى أراه غاب عن أذهان كثير منا فحصروه فى أداء العبادات دونما خشية حقيقية لله، وبلا انعكاس لهذا التدين على سلوك المسلمين.
هذا الدين الذى رسخ فى قلوبهم جعلهم يوقنون بما وعدوا به من الخلود فى جنات النعيم فنراهم يسارعون ببذل أنفسهم رخيصة فى سبيل الله ..أراد الصحابى الجليل عمرو بن الجموح الخروج إلى أحد- و كان أعرج-فمنعه أبناؤه ،وقالوا : قد عذرك الله فجاء إلى النبى صلى الله عليه و سلم و قال : إن بنى يريدون حبسى عن الخروج معك و إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى فى الجنة فقال: ( أما أنت فقد عذرك الله ) ثم قال لبنيه ( لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة)فخلوا سبيله ، قالت امرأته كأنى أنظر إليه قد أخذ درقته و هو يقول : اللهم لا تردنى إلى خربى (منازل قومه) ، قال أبو طلحة : فنظرت إليه حين انكشف المسلمون ثم ثابوا و هو فى الرعيل الأول، لكأنى أنظر إلى ظلع فى رجله وهو يقول : أنا و الله مشتاق إلى الجنة ، ثم أنظر إلى ابنه خلاد يعدو فى أثره حتى قتلا جميعا ،و قد ورد أنه دفن عمرو بن الجموح و عبد الله بن عمر و أبو جابر فى قبر واحد فخرب السيل قبورهم فحفروا عنهم بعد ست و أربعين سنة فوجدوا  لم يتغيروا كأنهم  ماتوا بالأمس.
نعيش فى زمن  اندثر فيه الوعى بكل نواحيه ..أمية دينية .. غيبوبة عن الثقافة فى شتى مناحيها.. لا أستغرب مع هذا أن ينحصر فهمنا لحقيقة التدين فى إتقاننا للعبادات البدنية منها و المالية،ثم ينسى المرء دينه فيما وراء ذلك ، لا أتعجب أن  أرى أناسا من أشد الناس محافظة على الصلوات فى أوقاتها، يترك من أجلها عمله ربما ساعة كاملة ، و ربما كان صلى ما شاء الله من تطوع، و يصوم النوافل .. ثم ماذا إذا تراءت له الأهواء و المشتهيات نسى  أو تناسى دينه وورعه المغلوط .. و ما ذاك بالدين الحق ....
فسبح وصلّ وطف بمكة زائرا *** سبعين لا سبعا فلست بناسكِ
جهل الديانة من إذا عرضت له *** أطماعه لم يُلف بالمتماسكِ
إذا أردت أن تعرف حقيقة التدين فإليك ما كان عليه أصحاب محمد من التربية الحقة  الخالصة يقول الصحابى الجليل جندب بن عبد الله :
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم و نحن فتيان حزاير(في قمة الفتوة)فتعلمنا الإيمان قبل القرآن ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً ، تلكم يا إخوانى هى التربية التى ننشدها أن تعمر القلوب بالإيمان أولا ،و أن نخرج حب الدنيا منها بعدأن  تملكها و استعبدها فصارت الشهوات و الملذات هى المحرك الأول للإنسان ... ليس مهما إن كان من حل أو حرام.
نعم هذا هو الإسلام الذى تربى عليه القوم فلا عجب أن تأتى امرأة لقائد الأمة طوعا ليطهرها من الزنا،  وهى  تعلم أن عقوبتها الرمى بالحجارة حتى الموت.. امرأة رسخ الإيمان فى قلبها ، ولا عيب أن نخطىء بل العجب أن نتمادى فى الخطأ..الدين فى أبهى صوره والذى زكى الضمائر و طهر النفوس الحرة، تلك التربية لا تستطيع أعتى القوانين الأرضية أن  تمتلك قلوب البشر كما تملكتها تربية النبى الكريم لهذه الأمة.
لما شرعت أمريكا قانون تحريم الخمر عام 1930 و بموجبه حرم بيع الخمور و شراؤها و صنعها و تصديرها و استيرادها ،و مهدت الحكومة للقانون بدعاية بمبلغ 65 مليون دولار، و كتبت تسعة آلالف مليون صفحة فى مضار الخمر، و أنفق ما يقرب من 10 ملايين دولار لأجل تنفيذ القانون، و قتل فى سبيل تنفيذه مئتا ألف نفس و حبس مليون شخص، و غرم المخالفون له غرامات بلغت 4 ملايين دولار و صودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بمليار دولار ، ثم قاموا بإلغاء القانون فى أواخر عام 1933 لما يئسوا منه ، و كان يكفى الإيمان الذى تخالط بشاشته القلوب فتسارع بتركها لله تعالى. لما نزلت آية تحريم الخمر سارع الصحابة بسكب الخمور حتى امتلأت بها طرقات المدينة.
قال أنس : كانت الكؤوس تدار على رأس أبى طلحة و أبى عبيدة و أبى دجانة و سهيل بن بيضاء و معاذ بن جبل إذ سمعنا أن الخمر قد حرمت، يقول : فما دخل علينا داخل و ما خرج منا خارج حتى كان منا من اغتسل و منا من توضأ و أصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد ، وفى رواية قلنا : انتهينا ربنا انتهينا أى لما سمعوا قول ربهم ( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
نريد الدين الذى يحجز الإنسان عن معاصى الله لا التدين الأجوف الشكلى فقط و الباطن خرب.....
و ما حسن الجسوم لهم بزين * إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
الدين الذى يحجز الحاكم و المحكوم أن يمدوا أعينهم أو أيديهم إلى مال المسلمين ،
قال عبد الله بن عمر اشتريت إبلا و ارتجعتها إلى الحمى( أرسلها إلى منطقة مخصصة للرعى) فلما سمنت قدمت بها،  فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا فقال لمن هذه؟ قالوا لعبد الله بن عمر فجعل يقول : يا عبد الله بخ بخ ( كلمة تعجب) ابن أمير المؤمنين ، قال فجئته أسعى فقلت مالك يا أمير المؤمنين؟ قال : ما هذه الإبل فقلت : إبل هزيلة اشتريتها  وبعثت بها إلى الحمى أبتغى ما يبتغى المسلمون ، فقال عمر : ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين .. اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين ، يا عبد الله اغد على رأس مالك و اجعل باقيه فى بيت مال المسلمين.
نفوس سمى بها الإسلام و عرفت حقيقة التدين، بأنه سمو بالنفس و مكارم أخلاق تجعل صاحبها آية ربانية ونفحة طيب فى تعامله مع الناس، أو ليس نبينا يقول ( الدين المعاملة) ما أجمعها من كلمة و أحكمها من موعظة ، أرى اليوم آلافا ممن يحفظون القرآن و يحكمون تجويده و أحكامه و هم أبعد الناس عن تعاليمه و أسسه ، قال ابن مسعود : إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن،  و سهل علينا العمل به و إن من بعدنا  يسهل عليهم حفظ القرآن و يصعب عليهم العمل به . الفقه فى الدين لا يدركه إلا القليلون ، ومن أوتى فقها لم يؤت حسن الأسلوب فى الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة،أتعجب ممن يتصدر للدعوة إلى الله و ليس لديه من فقه الدعوة لا قليل و لا كثير و لا هو على دراية بنفسية من يخاطبهم.
وأرى الآلاف ممن يرتدين النقاب - و هو بين الوجوب و الاستحباب و إن كنت أميل إلى القول الذى يوجبه- أرى منهن من ختمت القرآن تظن نفسها بذلك قد بلغت الغاية التى ما بعدها غاية ،و إنما حفظها لحروفه و هى مضيعة لتعاليمه و حدوده، لم تفقه فى دينها حكما ، وربما جمعت بين صلاتين و هو من الكبائر و ربما كانت مدمنة للغيبةو النميمة  و هى لا تدرك أنها من عظائم الذنوب ، لا أقول إن هذه المظاهر ليست من الدين بل لا نملك إلا أن نسلم دائما لأوامر الله ورسوله ( يا أيها الذين آمنوا  ادخلوا فى السلم كافة )أى اتبعوا كل ما يأمركم به إسلامكم و لكن نريد تدينا ينأى بصاحبه عن محرمات الله و يضرب أروع الأمثلة فى التعامل مع عباد الله مسلمين و غير مسلمين ، أسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينه ردا جميلا و أن يعلمنا ما ينفعنا و أن ينفعنا بما علمنا ، اللهم اهدنا و اهد بناو اجعلنا سببا لمن اهتدى.

إني تذكرت والذكرى مؤرقةٌ ..للشاعر الكبير : محمود غنيم


    مالي وللنجم يرعاني وأرعاه****** أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جفـناه

    لي فيك يا ليل آهاتٌ أرددها******    أُواه لو أجدت المحزون أُواه

    لا تحسبني محبًا أشتكي وصبًا****** أهون بما في سبيل الحب ألقاه

    إني تذكرت والذكرى مؤرقةٌ  ******    مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه

    ويْح العروبة كان الكون مسرحها ****  فأصبحت تتوارى في زواياه

    أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ*****  تجده كالطير مقصوصًا جناحاه

    كم صرّفتنا يدٌ كنا نُصرّفها*******   وبات يحكمنا شعب ملكناه

    هـل تطلبون من المختار معجزةً****** يكفيه شعبٌ من الأجداث أحياه

    من وحَّد العرب حتى صار واترهم***** إذا رأى ولدَ الموتور آخاه

    وكيف ساس رعاة الشاة مملكةً ******ما ساسها قيصرٌ من قبل أو شاهُ

    ورحَّب الناس بالإسلام حين رأوا****** أن الإخاء وأن العدل مغزاه

    يا من رأى عمرَ تكسوه بردته******  والزيتُ أدمٌ له والكوخُ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقًا*****  من بأسه وملوكُ الروم تخشاه

    هي الشريعة عين الله تكلؤها*****  فكلما حاولوا تشويهها شاهوا

    سل المعالي عنا إننا عربٌ******   شعارنا المجد يهوانا ونهواه

    هي العروبة لفظٌ إن نطقت به***** فالشرق والضاد والإسلام معناه

    استرشد الغربُ بالماضي فأرشده *****ونحن كان لنا ماضٍ نسيناه

    إنّا مشينا وراء الغرب نقبس******   من ضيائه فأصابتنا شظاياه

    بالله سل خلف بحرالروم عن عرب**** بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا

    فإن تراءت لك الحمراء عن كثبٍ**** فسائل الصرح أين المجد والجاه

    وانزل دمشق وخاطب صخر مسجدها**** عمّن بناه لعل الصخر ينعاه

    وطف ببغداد وابحث في مقابرها *****علّ امرأً من بني العباس تلقاه

    أين الرشيد وقد طاف الغمام به*******  فحين جاوزَ بغداد تحداه

    هذي معالم خرس كل واحدة منهن ****** قامت خطيبًا فاغرًا فاه

    الله يشهد ما قلَّبت سيرتهم يومًا****** وأخطأ دمع العين مجراه

    ماضٍ نعيشُ على أنقاضه أممًا***** ونستمد القوى من وحيِ ذكراه

    إنِّي لأعتبرُ الإسلام جامعة للشرق ******لا محض ديـنٌ سـنَّهُ الله

    أرواحنا تتلاقى فيه خافقة********   كالنحل إذ يتلاقى في خلاياه

    دستوره الوحي والمختار عاهله***** والمسلمون وإن شتّوا رعاياه

    اللهم قد أصبحت أهواؤنا شيعًا***** فامنن علينا براعٍ أنت ترضاه

    راعٍ يعيد إلى الإسلام سيرتَه******  يرعى بنيه وعين الله ترعاه


مواقف و طرائف و حكم (2)

ذكاء معاوية:

قال معاوية يوما لعمرو بن العاص:ما بلغ من دهائك؟ قال:ما دخلت فى أمر إلا عرفت كيف الخروج منه.فقال معاوية: لكنى ما دخلت فى أمر قط و أردت الخروج منه.

************************************************************************

حبك الشىء يعمى و يصم:

 قال عامر بن الظرب :الرأى نائم و الهوى يقظان فإذا هوى العبد شيئا نسى الله ثم تلا قوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، العقل صديق مقطوع و الهوى عدو متبوع ، كم من عقل أسير فى يدى هوى أمير.

 ************************************************************************

التوكل لا يناقض الأخذ بالأسباب:

مر الشعبى بإبل قد فشى فيها الجرب فقال لصاحبها:أما تداوى إبلك ؟فقال : إن لنا عجوزا نتكل على دعائها . فقال: اجعل مع دعائها شيئا من القطران!!!!!!!

************************************************************************

احفظ الله يحفظك:

كان أبو الطيب الطبرى قد جاوز المئة سنة و مازال ممتعا بعقله و قوته ،فوثب يوما من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة فعاتبوه على ذلك فقال: هذه جوارح حفظناهها عن المعاصى فى الصغر فحفظها الله علينا  فى الكبر،و على نقيضه ما حكى أن الجنيد رأىشيخا يسأل الناس فقال: إن هذا ضيع الله فى صغره فضيعه فى كبره!!!!

*****************************************************************

نهايتان :

عبد الله بن رواحة يسأل الشهادة بصدق فينالها:

لما ذهب إلى مؤته و حانت ساعة الصفر نزل وخلع درعه و أخذ سيفه و قال: 

أقسمت يا نفس لتنزلنه 
  لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس و شدوا الرنة
ما لى أراك  تكرهين الجنة 
هل أنت إلا نطفة فى شنة
و كان قد و دع الرسول صلى الله عليه و سلم و بكى و لما التفت إلى المدينة و هو على فرسه قال:
خلف السلام على امرىء ودعته    فى النخل خير مودع و خليل
و لما قالوا له نراك على خير قال : لا...

لكننى أسأل الرحمن مغفرة       و طعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثى(1)   يا أرشد الله من غاز و قد رشدا
فكان الصحابة إذامروا على قبره يسلمون عليه ثم يقولون : يا أرشد الله من غاز و قد رشدا..
**********************************************************************
و هذا ( القروى) أحد الشعراء اللبنانيين الفجرة المنحرفين ينزل دمشق فحملوه على الأعناق و صفقوا له فقال:
هبوا لى دينا يجعل العرب أمة   و سيروا بجثمانى على دين برهم
أيا مرحبا كفرا يوحد بيننا          و أهلا و سهلا بعده بجهنم
فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر و أهانه فمات فى الحمام و ما علم به إلا بعد أيام و قد أصبح جيفة كالكلب..
_______________
(1) الجدث: القبر

الأربعاء، 11 أبريل 2012

من أختار لرئاسة مصر (1)

الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى....
كثر الكلام و اللغط  و اشتد الصياح و الصخب، و حارت فهوم العقلاء و نفد صبر الحلماء، إنها حقا فتنة تذر الحليم حيرانا...بين ليبرالية علمانية متطرفة، كارهة لكل ما يحمل صبغة إسلامية و ليس كل من هو علمانى كافرا و لا مرتدا-معاذ الله-و إنما أعنى القلة المتطرفة ، و بين تيار إسلامى يحمل مشروعا إسلاميا حضاريا ،منسوب إلى المنهج الربانى الذى ارتضاه الخالق لخلقه فى تنظيم شئون حياتهم - و الذى لن يصلح البشرية إلا هو- لأن الله تعالى هو الخالق  خلق الخلق و ليس من أحد أعلم بما يصلحهم منه جل و علا.
ولكن الإشكالية أن المنهج سليم و التطبيق بدائى ،عشوائى، هستيرى، متعجل  فقليل من ذوى التوجهات الإسلامية من يحسن توجيه الخطاب الدينى الحكيم، فى عصر العولمة يتفرج علينا العالم بأسره و نحن نتفلسف و نتصارع،  و يقاطع بعضنا البعض لأجل كلمة أو حرف و ربما لأجل تشكيل آخر الكلمة- إن كان إخواننا يجيدون قواعد النحو- والملاحظ أن نسبة كبيرة من متكلمينا و منهم أساتذة جامعيون يخطئون فى النحو و هذا عار على أمة القرآن-نعم ليس كل ماهو حق ينبغى أن يجهر به ليل نهاربل ينبغى أن يختار له التوقيت المناسب و أن يعرض بالأسلوب الملائم ، أليس من الحكمة أن يتغاضى بعضنا عن عيوب بعض لتسير الدنيا لأن الإصلاح لن يأتى للأمة فى يوم أو بعض يوم .     
ليس الغبى بسيد فى قومه** و لكن سيد قومه المتغابى                                           كلى يقين أن الدنيا لن  تجد  تشريعا أعظم من شريعة الإسلام بشهادة الغرب ،فقد ذكر الأستاذ أنور الجندى أن المشرعين الغربيين انبهروا بشرائع الإسلام و قد أخذوا  ينهلون منها و يقتبسون فى مؤتمراتهم منذ عام 1936 كما نبهوا إلى تفردها و تميزها عن القوانين الرومانية و اليونانية ، كما أن نابليون قد اقتبس فى قوانينه من (مدونة الإمام مالك فى الفقه) ثم عدنا نحن المولعون بكل ما هو غربى لنتخذها لنا شرعة وقانونا .
و لأنى منذ حوالى عشرين عاما أنتمى للتيار الإسلامى، لذا أكتب ما أكتب  و أنا
كمن يتعرى أمام الناس، ليس عيبا أن يكون للمرء منهج و طائفة يرتضى فكرها و أسلوبها فى الحياة ،بل هو من قبيل اختلاف التنوع المحمود، و هو دليل على رحابة الصدر عندنا و قبول الآخر بيننا،  لكن العيب فيمن يتعصب لفئته أو جماعته فى الحق و الباطل ، فليس الحق يعرف بالرجال و لكن اعرف الحق تعرف أهله كما قال سيدنا على رضى الله عنه.
و بين هذين الفصيلين يحتار فصيل من نسيج هذه الوطن- لا أقول أقلية لأنها كلمة تدل على التعصب - هذه هى طائفة النصارى التى يخشى كثيرمن أهلها من صعود الإسلاميين و امتلاكهم زمام الأمور فى مصر، و الحق أنهم سيكونون أسعد ما يكون بشريعة الإسلام السمحة لو طبقت بصورة سليمة متدرجة ،و بفهم دقيق لمقاصد الشريعة ووسائلها ،فلست أعجب لو رأيتهم يلهثون وراء أمثال عمر سليمان ليخلصهم من براثن  الإسلاميين كما يخيل إليهم .
من أختار رئيسا ؟؟ 
ليس فى مخيلتى للآن اسم و لا رسم الرئيس القادم لكنى أتخيل مواصفات من أعطيه صوتى الذى هو أمانة نحاسب عليها أمام الله.. هو القوى الأمين الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم ، يعيد العدل إلى نصابه و يرد  كل حق مغتصب لأصحابه، يتأسى بخير الخلق فى وقوفه يستمع لشكوى كل امرأة مسكينة و كل ضعيف مهضوم الحق يرأف بالصغير و الكبير ( إن كانت الجارية لتأخذ بيد رسول الله -صلى الله عليه و سلم - من أقصى المدينة إلى أقصاها لتقضى به حاجتها)،لا ينتقم لحظ نفسه بل لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله تعالى قالت السيدة عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإنه كان أبعد الناس من الإثم وما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله تعالى. و يقتدى بعمر- و ما أدراك ما عمر- شديدا على المنحرفين ليعيد الأمن للرعية ، رفيقا رؤوفا بالضعفاء ،لا ينام الليل ولا النهار تحت شعار (لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية و لئن نمت بالليل لأضيعن نفسى) رأى مرة يهوديا يسأل الناس لفقره ، فأخذه من يده و أمر من يقوم على بيت المال أن يفرض له و لأمثاله من فقراء أهل الذمة وقال : ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية فى شبابه ثم نخذله عند الهرم. نريده عاملا للشعب و لمصالح الشعب و ليس لمصلحة أبنائه و لا جماعته.
يسعى لفكرة نبيلة ملخصها أن الإسلام دين و دنيا ،عقيدة و شريعة من أرقى الشرائع لم تترك صغيرة و لا كبيرة إلا أوضحتها ، حتى فكرة الفائدة التى تقوم اقتصاديات العالم المتمدن قد حاربتها منذ 14 قرنا و عرفت الدنيا معنى التكافل و التراحم بالزكاة و القرض الحسن لا الرأسمالية التى تعلى من شأن الفرد و لا ترحم الضعيف و لا الشيوعية التى تعلى الجماعة و تسحق الفرد و كلها من وضع البشر أما قوانين رب البشر فلا تضل و لا تزيغ، مع ملاحظة أن الدولة فى الإسلام مدنية بطبيعتها و ليس يعرف فى الإسلام ما يسمى بالدولة الدينية التى يتسلط فيها رجال الكهنوت باسم الرب و تنصب فيها محاكم التفتيش باسم الالحكومة الإلهية.
و لست بمعط صوتى أبدا لمن يولى ظهره للدين-و لو بلغ الغاية فى الشهرة و الصيت- لأن مبدأ الولاء و البراء فى الإسلام مبدأ أصيل يحتم على المرء المتمسك بدينه أن يوالى من ينافح عن شريعة الله ، شريطة أن يكون مؤهلا لهذا المنصب الرفيع، سياسيا متمرسا ،دارسا للتاريخ و عبره، ملما بأحوال الأمم و نظمها، متفتحا على كل الثقافات 
مقداما رأيه  من رأسه 
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ** و نكب عن ذكر العواقب جانبا
     مستمعا للنصيحة و لو ممن يصغره سنا،يأسر قلوب الناس بتواضعه لكبيرهم و صغيرهم ، ليس ديكتاتورا يتعصب لرأيه و إنما يكون شعاره دوما ( رأييى صواب يحتمل الخطأ و رأى غيرى خطأ يحتمل الصواب ) يستمد العون و المدد من رب البرية موقنا بأن النصر من عنده سبحانه وحده    
 إذا لم يكن من الله عون للفتى** فأول الذى يجنى عليه اجتهاده                                  فمن هو يا ترى هذا البطل ؟؟                                                              ( و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز  الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور )

السبت، 4 فبراير 2012

لا قنوط فى الإسلام

منذ قرون سرت روح القنوط  فى أمتنا الغالية حتى صار الخنوع و الاستكانة رضا بالقضاء و القدر، والتواكل توكلا على الله ، ولعمر الله ما من قنوط لمن عرف الله حق المعرفة . لقد نعى ربنا على اليائسين و نعتهم فى كتابه بأقسى النعوت (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) و دعا سبحانه عباده إلى نبذ القنوط و اليأس، و الطمع فى واسع رحمته( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)قال ابن مسعود : هذه أرجى آية فى كتاب الله.
و فى السنة المطهرة دعوة لنبذ العجز و القنوط يقول صلى الله عليه و سلم( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ،و فى كل خير احرص على ما ينفعك و استعن بالله ولا تعجز)رواه مسلم . وهذا حديث  آخر يبعث الأمل فى القلوب حتى فى أحلك الساعات ( إذا قامت الساعة و فى يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)البخارى فى الأدب المفرد.و هكذا كان دائما قلب نبينا الكريم موصولا بالله جل و علا فلا يكاد اليأس يقربه ،و لولا ذلك ما تم أمر هذا الدين و ما وصل إلينا، بل نجده دوما يثبت أصحابه على الحق فعن خباب بن الأرت قال : قلنا يا رسول الله : ألا تستنصر لنا ألا تدعوالله  لنا فقال :( إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه و يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه و عظمه لا يصرفه ذلك عن دينه) البخارى.
حال الأمة اليوم و ماضى أسلافهم المجيد:
كما ذكرت فإن عقيدة الجبر و هى  التواكل و الرضا بالظلم، بحجة أنها من قضاء الله و قدره قد سرت فى روح الأمة، منذ قرون حتى رأيناهم فى بعض الأزمنة مستسلمين للمستعمر الغاشم، بل ربما استعان الاستعمار  بالمنتسبين إلى التصوف- دون فهم لحقيقته- فى التوطين لجيوشهم، و هذا ما حدث فى الجزائر مع أرباب الطريقة التيجانية ، ففى عام 1870 استطاعت امرأة فرنسية تدعى أوريلى بيكار أن تخترق الزاوية التيجانية و أن تتزوج من شيخها أحمد التيجانى ،و لما مات تزوجت من أخيه على فأصبحت هذه المرأة مقدسة عند التيجانيين، و أطلقوا عليها لقب( زوجة السيدين) و كانوا يتيمنون بالتراب الذى تطؤه، وقد أدارت هذه السيدة الزاوية التيجانية كما تحب فرنسا، و كسبت لفرنسا مزارع و مراعى شاسعة ،فلا عجب أن أنعمت عليها فرنسا بوسام الشرف ، و لا عجب أن ساعد التيجانيون الجيوش الفرنسية حتى إن الشيخ محمد الكبير خليفة الشيخ أحمد التيجانى ،مؤسس الطريقة قال فى خطابه أمام رئيس البعثة العسكرية الفرنسية فى مدينة ( عين ماضى) ،المركز الرئيس للتيجانية:إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا ماديا و معنويا و لهذا فإننى أقول لا على سبيل المن و الافتخار و لكن على سبيل الاحتساب و الشرف و القيام بالواجب إن أجدادى قد أحسنوا صنعا فى انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا و قبل أن تحتل جيوشها الكرام ديارنا.
و على النقيض لقد ورث العزم الصادق رجال من أمة محمد، تعلموا أن كل دقيقة من عمرهم هى جوهرة نفيسة، لابد من استغلالها فيما يفيد فى أمور الدين والدنيا و إليك الأمثلة :
هذا التابعى الجليل أبو مسلم الخولانى يقول : أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا ؟ كلا و الله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا .أى لنجتهدن فى خدمة هذا الدين الذى أكرمنا الله به كما اجتهدوا رضوان الله عليهم جميعا.
و هذا الإمام النووى يموت فى الخامسة و الأربعين دون أن يتزوج (631-676) و قد ترك من المؤلفات ما لو قسم على أيام حياته لكان نصيب كل يوم أربع كراريس ،فكيف تم له ذلك؟ نجده يقول عن نفسه فى بداية طلبه للعلم : و بقيت سنتين لا أضع جنبى بالأرض ، أى ينام على كتبه كلما أدركه التعب رحمه الله.و هذا ابن النفيس- شيخ الطب فى زمانه -يقول عنه التاج السبكى: و صنف كتابا سماه الشامل لو تم لكان ثلاثمائة مجلد ، تم منه ثمانون مجلدا و كان فيما يذكر على تصانيفه من ذهنه ، لقد كان رحمه إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، و يدير وجهه إلى الحائط و يأخذ فى التصنيف من خاطره ،فيكتب كالسيل المنحدر، فإذا كل القلم رمى به و تناول غيره لئلا يضيع الزمن فى برى الأقلام . لله درهم من رجال حملوا على عاتقهم أمانة العلم، و عرفوا قيمة الدقائق أما نحن فيصح فينا قول القائل :
و الوقت أنفس ما عنيت بحفظه ** و أراه أيسر ما عليك يضيع
 المسلم الحق نفسه مفعمة بالأمل دوما راضية بقضاء الله، فلا يتسرب إليها اليأس مطلقا ،و كيف تعرف اليأس و هى تصبر الصبر الجميل الذى لا جزع فيه، و لا شكوى معه عند نزول البلاء ،و تشكر نعمة ربها عند قدوم النعمة ، فيعيش المؤمن الحياة الطيبة فى الدنيا و الآخرة يقول سيدنا عمر: لو كان الصبر و الشكر بعيران لا أبالى أيهما ركبت.
المؤمن الذى عرف ربه حق المعرفة يتبع إيمانه القلبى العمل الصالح للدين و للدنيا ،حتى يبلغ الغاية فيهما، جاعلا الدنيا فى يديه فلا تملك عليه جوانب قلبه،  و هذه هى حقيقة الزهد التى فهمها سلفنا رضوان الله عليهم ،فأحكموا أمور الدين و ملكوا أقطار الأرض قال الإمام مالك : الزهد طلب التكسب و قصر الأمل .
بهذه الروح المفعمة انطلق علماؤنا يتقنون فنون العلم، و يمتلكون زمام كل فن، ففى الوقت الذىرسم فيه ابن سينا  تشريح العين ،و استخدم البنج فى الجراحة ،و هو أول من قال بوجود أمراض جسمية ناشئة عن الحالة النفسية psychosomatic diseases
إلى آخر ما اكتشفته تلك العقلية الجبارة ،فى ذلك الوقت كانت أوربا تعيش فى ظلمات العصور الوسطىن و كان المريض يعلق فى شجرة و ينهال المعالج عليه ضربا ليخرج منه الأرواح الشريرة كما كانوا يظنون.
و لا تعجب إذا قلت لك إن ملك إنجلترا (جورج) أرسل خطابا إلى هشام ملك الأندلس -إبان مجدها- يقول له إننى أرسل بعثة من رجال البلاط و الأشراف، و بينهم ابنة أخى الأميرة (دوبانت) ليتعلموا العلم فى مدارسكم، و يعودوا إلينا فينشروا النور فى بلادنا التى عمها الظلام من كل الجوانب.
ما أحوج المسلمين اليومك إلى أن يفيقوا من سباتهم العميق و أن يتأسوا بأسلافهم نابذين اليأس و القنوط، فالمستقبل لا شك لدى لهذا الدين العظيم ، و لأمة سيد المرسلين ،شريطة أن يربطوا الدنيا بالدين  بأوثق العرىو أمتن الأسباب .إنى على يقين أن المارد الذى ظل نائما حتما سيستيقظ بإذن الله ليخرج،  من أصلاب هذه الأمة المباركة نبتا طيبا يعمر الأرض، و ينبغون فى شتى المجالات بإذن الله تعالى إنه ولى ذلك و القادر عليه.

و أختم كلامى بتلك الكلمات المحببة إلى قلبى للمصلح العظيم عبد الرحمن الكواكبى:
ما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس، و يرفعون الالتباس، و يفكرون بحزم و يعملون بعزم، و لا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون ،و الله المستعان.

الثلاثاء، 17 يناير 2012

قصيدة ....ليس الغريب


للإمام / على بن الحسين (زين العابدين) .. رضى الله عنهما

لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّأمِ واليَمَنِ *إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتـِهِ * على الْمُقيمينَ في الأَوطــانِ والسَّكَنِ
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَنـي * وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والمـوتُ يَطلُبُنـي
وَلي بَقايــا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها * الله يَعْلَمُهــا في السِّرِ والعَلَنِ
مـَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني * وقَدْ تَمـادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
تَمُرُّ سـاعـاتُ أَيّـَامي بِلا نَدَمٍ * ولا بُكاءٍ وَلاخَـوْفٍ ولا حـَزَنِ
أَنَـا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً * عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنـي
يَـا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ * يَـا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُـهـا * وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيـرِ وَالحَزَنِ
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحــَاً * عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُنــي
وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَـيْ يُعالِجَنـي * وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هـذا اليـومَ يَنْفَعُني
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُـها * مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها * وصـَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا * بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
وَقـامَ مَنْ كانَ حِبَّ النّاسِ في عَجَلٍ * نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتينـي يُغَسِّلُنــي
وَقــالَ يـا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقاً * حُراً أَرِيباً لَبِيبـاً عَارِفـاً فَطِنِ
فَجــاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني * مِنَ الثِّيــابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحـاً * وَصـَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني * غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
وَأَلْبَسُوني ثِيابـاً لا كِمامَ لهـا * وَصارَ زَادي حَنُوطِي حيـنَ حَنَّطَني
وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيـا فَوا أَسَفاً * عَلى رَحِيـلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُنـي
وَحَمَّلوني على الأْكتـافِ أَربَعَةٌ * مِنَ الرِّجـالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني
وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا * خَلْفَ الإِمـَامِ فَصَلَّى ثـمّ وَدَّعَني
صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لهـا * ولا سُجـودَ لَعَلَّ اللـهَ يَرْحَمُني
وَأَنْزَلوني إلـى قَبري على مَهَلٍ * وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهـم يُلَحِّدُنـي
وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني * وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
فَقامَ مُحتَرِمــاً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً * وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفـارَقَني
وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا * حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هنــاك ولا * أَبٌ شَفـيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُنــي
فَرِيدٌ .. وَحِيدُ القبرِ، يــا أَسَفـاً * عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُنـي
وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ * مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ مـا أَقولُ لهم * قَدْ هــَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني
وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهـِمُ * مَـالِي سِوَاكَ إِلهـي مَنْ يُخَلِّصُنِي
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يــا أَمَلي * فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهــَنِ
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا * وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لهـا بَدَلي * وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَـنِ
وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَه * وَصَارَ مَـالي لهم حـِلاً بِلا ثَمَنِ
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــا وَزِينَتُها * وانْظُرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها * هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ
خُذِ القَنـَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها * لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَـا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً * يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ
يـَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي * فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً * عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ
ثمَّ الصلاةُ على الْمُختـارِ سَيِّدِنـا * مَا وَضّـأ البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ

والحمدُ لله مُمْسِينَـا وَمُصْبِحِنَا * بِالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْســانِ وَالمِنَنِ


الأربعاء، 11 يناير 2012

أخلاق المصرين(2).. أين فضيلة الإيثار؟


ولا يزال الحديث موصولا عن أحوال هذا الوطن الغالى ، و العجب من هذه المطالب التى لا تنتهى من كل فئة من فئات الشعب كل حسبما يهوى و يشاء،  تقطع الطرق الرئيسة  لأتفه سبب، ربما لتأخر بعض المستحقات المالية التافهة، و ما كان شعبنا يملك الجرأة ليطالب أصلا، فكأنى بنا و نحن حديثو عهد بالحرية لا مناص لنا من إساءة استخدامها ،ملايين الرصاصات بملايين الجنيهات  نسمعها يطلقها أهلنا  فىصعيد مصر ربما بدون داع و ربما أخذا بثأر مرت عليه عشرات السنين، ما بال الدنيا تتقدم نحو النانو تكنولوجىو إبداعات استخدام الخلايا الجذعية  و أعاجيب الهندسة الوراثية و رقائق السيلكون متناهية الصغر التى تحوى ملايين المعلومات، ما بال الأمم تنهض و نحن نتقهقر مئات السنين؟!!!!
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله** و أخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
كنت أتمنى أن تظهر روح التكاتف التى اعتدناها من أهلنا فى هذه الأزمة فنرى من أثرياء مصر من يساهم فى تسديد ديونها الخارجية و الداخلية ( و التى تعدت وحدها تريليون جنيها)و نرى المآثر التى اعتدناها من أهل مصر الطيبين،كنا نتمنى أن نسمع من يقول : خذوا من رواتبنا و لنضح جميعا لإنقاذ الوطن الغالى لنتجنب قليلا ملذات الحياة حتى تنهض مصرنا من كبوتها....
فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة** و إلا فإنى لا أخالك ناجيا
 علمنا  نبينا الكريم  و سلفنا الصالح أن نفضل مصلحة الكل على المصلحة الشخصية، و هذا هو الإيثار ، كلنا يعلم أن المواقف هى التى تظهر معادن الرجال ، فأين يا أبناء وطنى نخوتكم و شهامتكم المعهودة منكم؟!!
اقرأمعى هذه القصة العجيبة لمن أراد الإخلاص لدينه وآثر أن يبقى مجهولا رغم أنه صاحب فضل على أمته بأسرها، يصدق فيه قول نبينا الكريم -صلى الله عليه و سلم-(طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ،وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له ،وإن شفع لم يشفع ) رواه البخارى.
فقد روى أن مسلمة بن عبد الملك- القائد الأموى-  كان يحاصر حصنا  استعصى عليه ،  فتقدم رجل ملثم (مخفيا وجهه) و أحدث فى الحصن نقبا  استطاع    المحاصرون  من   المسلمين أن يستولواعليه بسبب هذا النقب ،
ففرح مسلمة ونادى  :أين صاحب النقب؟ فلم يأته أحد ،فنادى مرة أخرى
:إنى أمرت حاجبى بإدخاله على  ساعة يأتى فعزمت  عليه إلا جاء ، فجاء رجل إلى الحاجب
 و قال :استأذن لى على الأمير ، فقال له الحاجب أأنت صاحب النقب ؟ قال: أنا أدلكم عليه . فدخل على الأمير فلما مثل بين يديه قال له : أيها الأمير إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثا : ألا تبعثوا باسمه فى صحيفة إلى الخليفة ، و ألا تأمروا له بشىء ، و ألا تسألوه من هو؟ قال مسلمة : فله ذلك . فقال الرجل فى استحياء : أنا صاحب النقب ثم ولى مسرعا، فاندس وسط الجنود ، فكان مسلمة لا يصلى صلاة بعدها إلا دعا فيها : اللهم  اجعلنى مع صاحب النقب يوم القيامة. 

هم الجال و غبن أن يقال لمن** لم يتصف بمعالى وصفهم رجل
و هذا الصحابى الجليل سعد بن الربيع (الأنصارى) يعرض على أخيه المهاجر عبد الرحمن بن عوف أن يعطيه نصف ماله و أن يختار من يهوى من زوجتيه فيطلقها له فيأبى ذلك الصحابى الجليل،
فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: «لما قدمنا المدينة آخى رسول الله  بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأُقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتيَّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتَها. قال: فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك...» [أخرجه البخاري ومسلم].
 نبكي على أمةٍ ماتت عزائِمها**  وفوق أشلائها تَساقَطُ العِللُ 
 هَل يَنفَعُ الدَّمعُ بعد اليومِ في وطنٍ** مِن حُرقةِ الدمعِ ما عادت له مقلُ 
 أرضٌ توارت وأمجاد لنا اندثرت** وأنجمٌ عن سماء العمرِ ترتحلُ
لم يبق شىء لنا من بعد ما  غربت**شمس الرجال تساوى اللص و البطل
 لم يبقَ شيءٌ لنا من بعدِ ما سقطت** كل القلاع تساوى السَّفحُ والجبلُ 
(من قصيدة للشاعر الكبير فاروق جويدة)
الله إنا نسألك رحمة من عندك تهدى بها ضالنا، و تسلل بها سخيمة قلوبنا ،و نسألك أن ترينا  يوم عز لهذه الأمة بأعييننا، و ما ذلك على الله بعزيز، اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين.