إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 22 أكتوبر، 2011

وبشر الصابرين 1



الحمد لله علي وافر نعمائه, والشكر له علي كرمه ولطفه في امتحانه وابتلائه, والصلاة والسلام علي نبينا الكريم,قدوة الصابرين في الضراء وأسوة الشاكرين في السراء. وبعد،
هذه مجموعة مقالات عن الصبر أكتبها علي أن بضاعتي في العلم مزجاة ،ولكن أمني نفسي أن تكون هذه الكلمات سلوة للمحزونين ،وأنيسا للمبتلين والمكروبين، والله المستعان.

لقد عظم ربنا جل وعلا في كتابه الكريم قيمة الصبر، وشّرف قدر الصابرين(إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع  أجر المحسنين)
قال الإمام أحمد :إن الله ما عظم شيئاً في كتابه كما عظم الصبر فقد ذكر في أكثر من تسعين موضعا .
من معاني الصبر:
قال الفيروز أبادي: وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه ,فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً, وإن كان في محاربة سمي شجاعة , وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا , وإن كان عن فضول العيش سمي جهداً, وإن كان عن شهوة الفرج سمي عفة, وإن كان عن شهوة الطعام سمي شرف نفس, وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً.
وقال ابن القيم: والاسم الجامع لذلك كله (الصبر)، وهذا يدلك علي ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر.
إن الصبر هو عدة المؤمن أمام نوازل الدهر، وهو الملجأ والمهرب الآمن من حوادث الزمان ,يبدو مراً تجرعه في بدايته, غير أن هذه المرارة سرعان ما يجد الصابر حلاوتها مع الرضي والتسليم بقضاء الله , وهذا هو الإنسان السعيد حقا في دنياه من يصبر في الضراء الصبر الجميل ،ويصبر في السراء أمام فتنة النعيم بل يؤدي شكر هذه النعم كما أمر ربنا عز وجل .
يقول ابن القيم: فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلي أعلي المنازل بشكرهم, فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلي جنات النعيم, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الصبر خير عطاء:
روي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن سعيد ألخدري أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم  ثم سألوه فأعطاهم حني نفد ما عنده  فقال: ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن سيتعفف يعفه الله, ومن يستغن يغنه الله , ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيرً من وأوسع من الصبر).
في هذا الحديث الجامع بشري لأهل الصبر أنهم قد منحوا خير عطية في هذه الدنيا بصبرهم وما ينتظرهم من عظيم الجزاء في الآخرة كما انه فيه بشارة لمن ليس من طبعه الصبر أن يكره نفسه علي الصبر وان يتكلف الصبر قدر المستطاع حتى  يصير  سجية فيه مستعيناً بالله وبحوله وقوته سبحانه.
المؤمن الصادق يصبر أمام الشهوات الزائلة فلا تستعبده :
   ولا يذهبن العمر منك سبهللا    * * ً ولا تغبنن بالنعمتين بل  اجهد 
فمن هجر اللذات نال المنى و من ** أكب على اللذات عض على اليد
 ويجتهد دائماً وأبداً في الدعاء لمن لا ملجأ ولا منجي منه إلا إليه سبحانه أن يفك كربه وأن ينيله ما يرجو ويؤمل.

 أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

الصبر نصف الإيمان:
يقول ابن القيم: ثبت أن الإيمان نصفان ; نصف شكر ونصف صبر، باعتبار أن الإيمان  إما فعل مأمور فهو شكر، أو ترك محظور وذلك هو الصبر, وإما بأن العبد بين أمرين ,إما حصول محاب ومسار(أي أمور محبوبة) فوظيفته الشكر ،وإما حصول مكاره ومضار فوظيفته الصبر فمن قام بالأمرين استكمل الإيمان.

ثم قال عن الصبر: وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوي النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

النفس البشرية يا إخوان كالدابة الحرون ( التي يصعب قيادتها) تريد أن تترك في ملذاتها فتقضي منها أوطارها, كما أنها تكره القيود من أحكام العرف والشرع ,فتبغي ألا يكون لها غل يقيد تصرفاتها

أري النفس تهوي ما تريد       وفي متابعتي لها عطب شديد
تقول وقد ألحت في هواها       مرادي كلمـــــــــا أهوي أريد

وقال آخر:
والنفس كالطفل إن تهمله شب علي      حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وسئل الجنيد بن محمد عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعبس (أي تحمل مرارة العيش دون إظهار الضيق والتضجر )
وقال ذو النون المصري: الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية, وإظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
نعم المؤمن الصابر لا يتحمل فقط مرارة العيش ونكد الدنيا بل يجد اللذة في هذا النصب وتلك المعاناة مادامت في رضا الله عز وجل فهو يعلم علم اليقين أنه سبحانه قادر علي أن يمنحه وأن يعطيه، وأن له سبحانه حكمة في المنع والعطاء، فلابد له من التسليم بقضائه فربما كان الفقر خير له من الغني.

سأل رجل سفيان الثوري : مالي أطلب الشيء من الله تعالي فيمنعني ؟
قال منع الله عطاء لأنه لم يمنعك من بخل ولا افتقار ولا احتياج ،وإنما يمنعك رحمة بك.
نزل القرآن وهو أعظم كتاب للتربية علي قلوب هؤلاء الصحابة الكرام، مبشرا للصابرين ومادحا لأهل الصبر، فتلقت تلك القلوب الغضة تلك الأوامر بالاستجابة الفورية لأنهم كانوا يتلقون هذه الآيات وكأن الله عز وجل يخاطب كلا منهم بها لشخصه فسرعان ما يستجيبون للأوامر الربانية , فلم يكن القرآن في نظرهم مجرد مصاحف ذات طباعة فاخرة محفوظة علي الأرفف،  لا دراية للمسلم بمضمونها ومحتواها كما هو حال المسلمين اليوم مع القرآن , بل كان ديدنهم هو انتظار الأوامر لتطبيقها ,
يقول صلي الله عليه وسلم ( ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله تعالي " إنا لله وإنا ليه راجعون" اللهم اؤجرني في مصيبتي و أعقبني خيرا ًمنها إلا فعل الله به ذلك ) رواه مسلم
هذه الخنساء الشاعرة التي أدركت الجاهلية والإسلام لو قارنا جزعها علي أخيها حين قتل في الجاهلية حتى كادت تقتل نفسها حزنا عليه مع صبرها في الإسلام لكان ذلك عجبا.
لقد كان مما قالت في أخيها (صخر):
يذكرني طلوع الشمس صخراً    وأذكره بكل غروب شمسٍ
ولولا كثرة البـــــــاكين حولي    علي إخوانهم لقتلت نفسي
 ولما أسلمت شهدت القادسية بين المسلمين والفرس ومعها أبناؤها الأربعة 
فاستشهدوا  في ذلك اليوم واحداً بعد واحد,فلما بلغها نعيهم في يوم واحد لم تلطم خداً 
ولم تشق جيباً بل قالت:الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني 
بهم في مستقر رحمته.
رزقنا الله وإياكم ثبات الصابرين ويقين الموقنين وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

ليست هناك تعليقات: