إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

و بشر الصابرين 3



مازلنا بحول الله وقوته مع الصور التي تحدث بها القرآن الكريم عن الصبر كما ذكرها الإمام ابن القيم،
يقول رحمه الله :
الثالث: الثناء علي أهله " أي أنه سبحانه قد امتدح أهل الصبر " كقوله تعالي (( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)) وهو كثير في القرآن
الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم كقوله (( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ))
الخامس : إيجاب معيته لهم وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة ,كقوله تعالي(( واصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))
لقد أثني ربنا جل وعلا علي أهل الصبر ,وامتدح سبحانه مسلكهم ومسعاهم ,وكيف لا والصبر طريق النبيين، ودرب المثابرين أصحاب الرسالات ،الطامحين إلي تبليغ دعوة الخير مستعذبين المشقة والعنت في سبيلها.
لولا المشقة لساد الناس كلهم*** الجود يفقر والإقدام قتّال
فهؤلاء الصابرون الأفذاذ استحقوا الثناء الجميل لأنهم صبروا عن المعاصي أولاً فحرموا النفوس مما تشتهيه من المحرمات ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى))
تفني اللذاذة ممن نال صفوتها          من الحرام ويبقي الإثم والعار
تبقي عواقب سوء في مغبتها           لا خير في لذة من بعدها نار
وصبروا ثانيا بثباتهم علي طاعة ربهم مهما تكن المشقات والعقبات ،ولولا تثبيت الله لرسوله صلي الله عليه وسلم علي الطاعة، ما بلغنا هذا الدين وما آتت هذه الرسالة، أكلها حتى نراه يصلي من الليل حتى تتورم قدماه مع أن الله تعالي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
لولا هذا التثبيت ما رأينا تلك الصور الخالدة لشباب الإسلام رهبان بالليل وفرسان بالنهار من أصحاب محمد وتابعيهم إلي قيام الساعة , فلئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً** فلله أوس قادمون وخزرج
وإن كنوز الغيب تخفي طلائعا*** صابرة رغم المكائد تخرج
يقول التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني : أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا ؟كلا والله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا.
نعم تلك التربية الربانية علي الصبر علي الطاعات وترك الشواغل والمبادرة إلي الفرائض مهما تكن الظروف هي التي انتشلت هذه الأمة من حمأة الجاهلية وجفاء الطبع إلي ذروة المجد والشرف والذي تمثل في اعتزازهم بهذا الدين بديلا عن الاعتزز بالقبلية والعصبية الجاهلية.
عندما فتح عمر بيت المقدس وأتي يتسلم مفاتحه رأي جيش المسلمين العظيم له أربعة من القادة تحت إمرة أبي عبيدة, فكاد الغرور يتسرب إلي نفسه فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله.
وهذا الصبر علي طاعة ربهم قد أرغم أنوف أعدائهم وأثار حفيظتهم فهذا القائد الفارسي رستم عندما رأي المسلمين يصطفون مبادرين إلي الصلاة قال : أكل عمر كبدي يعلم الكلاب الآداب
وناهيك بأهل الصبر فخراً وعزة أن الله تعالي معهم يكلؤهم ويرعاهم وإذا كان الله معهم فمن عليهم لن يخذلوا أبداً أو يخيب مسعاهم.
يقول الدقاق: فاز الصابون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته فإن الله مع الصابرين .
فكيف يستوي من جاهد نفسه لله ومن تركها لأهوائها ونزواتها
فيا وصل الحبيب أما إليه  ***  بغير مشقة أبداً طريق
يقول الجوزي مصوراً مشقة الصبر عن الهوى وأنه كالكي بالنار :لقيت راهباً ضعيفاً فقلت له :أنت عليل؟
قال:نعم
فقلت :منذ كم ؟
قال : منذ عرفت نفسي
فقلت :تداو
قال أعياني الدواء "أي أتعبني البحث عن دواء لنفسي"ولكن عزمت علي الكي
قلت: وما الكي؟
قال: مخالفة الهوى
فهاتان صورتان للصبر استحق أصحابهما الثناء من الله تعالي :الصبر عن المحرمات والصبر علي الطاعات والصورة الثالثة هي صبر أصحاب الدعوات و أتباعهم علي تحمل المشقات في سبيل تبليغها ,فلو عرف القنوط سبيلاً إلي قلب النبي الكريم لحظة ما تم أمر هذا الدين , بل نراه حتى في أقسي لحظات الضيق والمشقة حينما آذاه أهل الطائف وأغرواْ سفهاءهم فرموه بالحجارة طريداً شريداً جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين إن شاء
فقال نبي الرحمة الذي جاء ليعتق الرقاب من النار (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا) رواه البخاري ومسلم

السادس : إخباره بالصبر خير لأصحابه كقوله ((وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ)) وقوله ((ﻭَﺃَﻥْ ﺗَﺼْﺒِﺮُﻭﺍ ﺧَﻴْﺮٌ ﻟَﻜُﻢْ)) الصبر خير لهم في الدنيا فسرعان ما تنقضي الأيام وتتبدل المحن بالنعم فيربح من صبر غنيمة صبره معجلة في هذه الدار , وخير لهم في الآخرة لما ينتظرهم من جزاء لا حد له ولا حساب فيه.
كن عن همومك معرضاً ***وكِل الأمور إلي القضا
وأبشـــر بخير عاجـــــل*** تنسي به ما قد مضي
فــــــــــلرب أمر مسخط*** لك في عواقبه الرضا
وهو خير لهم من الجزع والسخط فيرسبون في ذلك الامتحان الرباني الذي شرفهم رب العزة بالدخول فيه فلا ينالهم سوي الخسران المبين.
وإذا عــــرتك بلية فاصبر لها*** صبر الكريــــــــم فانه بك أعلم
وإذا شكوت إلي ابـن آدم إنما*** تشكو الرحيم إلي الذي لا يرحم
السابع:إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم كقوله تعالي ((وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)).
فهذا مقام رفيع قد بشر فيه رب العزة أهل الصبر أنه سبحانه يكافئهم بمقدار أفضل أعمالهم وينزلهم أكرم منزلة ويرفع أقدارهم بصبرهم .
وحاشاه سبحانه أن يستوي في عدله من عاش حياته بالطول والعرض ومن عاش مبتليً محروماً فصبر واحتسب ورضي بنصيبه هذا امرئ القيس الشاعر الجاهلي سئل : ما أطيب عيش الدنيا؟
فقال :بيضاء رعبوبة بالطيب مشبوبة ,باللحم مكروبه.
وسئل الأعشى :أي العيش ألذ؟
فقال:صهباء صافية, تمزجها ساقية, من صوب غادية.
فهل يستوي هؤلاء ومن صبر علي البلاء وتجافي عن الأهواء وثبت طيلة عمره علي الطاعات حتى لقاء ربه.
الثامن: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالي ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ))
أي حسرة وأي مرارة وعض علي أصابع الندم يفاجأ بها أهل السخط والجزع حينما يستوفي الصابرون أجرهم أي ينالون ما وعدوا كاملاً غير منقوص ممن خزائن جوده لا تنفد بلا حساب ولا عدد يقول الأوزاعي :ليس يوزن لهم ولا يكال وإنما يغرف لهم غرفا.
ويحك يا ابن آدم إذا كنت في دار ابتلاء وامتحان ,أيام هذا الامتحان محدودة وساعاته معدودة أفلا تثبت فيها وتصبر فسرعان ما تعلن النتيجة فإذا أنت الخاسر من بين الممتحنين وإذا أنت بجزعك قد بعت نفسك بلا ثمن.
قال الحسن البصري: لا تجعل لنفسك ثمنا غير الجنة فإن نفس المؤمن غالية وبعضهم يبيعها برخص.
التاسع: إطلاق البشري لأهل الصبر كقوله تعالي (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين))
بشر الله عز وجل عباده الصابرين بالفوز في الدارين بصبرهم .
هاهم أهل الصفة طائفة من فقراء الصحابة يجمعهم مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم لا أهل لهم ولا أزواج ولا مال لا حول لهم ولا قوة ولا معين سوى إيمان عميق وصبر وتضحية بالنفس التي هي كل رأس مالهم متى طلبت في سبيل هذا الدين ,ألا ما أشد صبرهم وجلدهم يقول واثلة بن الأسقع :كنا أصحاب الصفة قي مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم وما فينا رجل له ثوب ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقا من الغبار إذ خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال ((ليبشر فقراء المسلمين)) ثلاثا.
عبـــــــاد ليل إذا جن الظلام بهم*** كم عــــــابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادي الجهاد بهم ***هبوا إلي الموت يستجدون رؤياه
يارب فابعث لنا من مثلهم نفرا ***يشيدون لنـــــا مجــــدا أضعنـــاه
العاشر:ضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالي ((بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ)) ومنه قول النبي صلي الله عليه وسلم ((واعلم أن النصر مع الصبر))صحيح الجامع 6806
لقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين بشرط أن يصبروا علي ما يلقون في سبيله من عنت ومشقة, وأن يثبتوا للقاء أعداء الله مهما بلغت جحافل قوتهم مداها فالنصر من الله وحده ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
هذا شاب عربي مسلم يجمعه مجلس مع موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت فيبادره الشاب الواثق من نصر الله قائلا :إننا سنهزمكم في يوم من الأيام لأن رسولنا يقول ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله )) فقال له ديان :نعم نحن نعلم ذلك ولكن انظر إلي الحديث يقول :إن الحجر والشجر يقول ((يا مسلم)) أي أنكم لن تنصروا علينا حتى تكونوا مسلمين حقا وإن مهمتنا نحن اليهود ألا نمكنكم من ذلك في جيلنا علي الأقل.



ليست هناك تعليقات: